أما التناقض الثاني فيتمثل في ترافق"عدم اليقين الوجودي"مع العلمانية ليحل محل اليقين الديني عند الأفراد، وهذا لا يشبع التطلعات الإنسانية والروحية عند الناس خاصة في عالم مليء بالضغوط والتوترات حيث يحاول الأفراد الوصول إلى سبل السكينة والراحة الخلاصية على المستوى الداخلي لهم، وحيث تبرز أهمية"التضامن الديني" (ص 33) .
ويشير كين إلى تناقض داخلي آخر هو تقارب العلمانية مع الدكتاتورية تحت مسميات عديدة. ويضرب مثلا على ذلك تركيا وإلى حد ما فرنسا، ففي الأولى تتحالف العلمانية مع الدكتاتورية العسكرية تحت مسميات حماية الدستور العلماني من تصاعد المد الإسلامي، وفي الثانية تتحالف العلمانية مع ممارسات دكتاتورية مثل منع الحجاب أو التضييق على المسلمين تحت مسمى الاندماج أو محاربة التعددية الثقافية.
تعريف جديد للعلمانية
وفي مساهمة أخرى في الكتاب يناقش عبد الوهاب المسيري، بروفيسور الأدب الإنجليزي المتخصص العربي في الصهيونية والعلمانية، التعريفات الأساسية للعلمانية ويطرح مجموعة مفاهيم جديدة. ففي مقابل التعريف المشهور للعلمانية بأنها"فصل الدين عن الدولة"يدعو المسيري إلى تعريف جديد يصف جوهر النظرة العلمانية إلى العالم عبر التفريق بين العلمانية الجزئية (تقابلية الدين والدولة) والعلمانية الشاملة التي تعني فهم العالم والاجتماع الإنساني وفق نظرة علمانية صارمة وشاملة لجميع جوانب حياتهم، وليس فقط الجانب السياسي المعني بالدولة كجهاز حكم.
ويرى المسيري أن هذا التعريف أدق وأكثر عملية في فهم"الصيرورة العلمانية"وفي فهمها كمتتالية وليس فقط كشيء جزئي متسامح مع بقية منظومات الأفكار والمؤسسات الاجتماعية الإنسانية. فالعلمانية، بكونها منهج حياة شاملا، لا تقبل بأقل من السيطرة الكاملة على مناحي الحياة الإنسانية، وهذا يعني تكريس النظرة المادية ليس للأشياء فحسب، بل وللجوانب الإنسانية في حياة البشر أيضا، أو ما يسميه المسيري في كتاباته العربية"حوسبة الحياة"أي جعل كل الأمور وسائل مادية.
رفع القداسة عن العلمانية
الصراع هو بين الإيمان الذي يجسد ما هو متجاوز، والافتراض العلماني الثيوقراطي بأن الحقيقة التامة قد تم الوصول إليها.
أما برويز منصور، كاتب وباحث إسلامي آسيوي، فقد ساهم في هذا الكتاب بدراسة عميقة تدعو إلى تفكيك"القداسة"عن العلمانية، ونقض الادعاء السائد بأنها موئل الحقيقة والعلم. والتفكيك الذي يقوم به منصور عبر الرحلة الفكرية الشيقة لمكونات الفكر الغربي وبالتحديد الفكر النتشوي ثم موضع هذا الفكر والنظر إلى خلاصاته"العلمانية"كنتاج للتطور والصيرورة التاريخية الغربية، ثم عزل هذا النتاج عن التطبيق القسري على المجتمعات والصيرورات التاريخية لبقية مناطق العالم.
وهو يقول بأننا يجب ألا ننظر إلى العلمانية"كنظرية كبرى"قادرة على تفسير الظواهر، أو جاهزة للتطبيق في كل مكان وزمان، كما أنه من غير العملي أن يتم حبس النقاش وكأنه صراع بين قيم الإسلام الإيمانية ومنطلقات الحداثة العقلانية، أو بين رغبة الإسلام للتمكن والنظام العالمي المتمكن، بل بين الإيمان الذي يجسد ما هو متجاوز والافتراض العلماني الثيوقراطي بأن الحقيقة التامة قد تم الوصول إليها (ص 96) .
اسم الكتاب: الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط.
المؤلف: جون إسبوزيتو- عزام التميمي- جون كين- عبد الوهاب المسيري- برويز منصور.
عدد الصفحات: 214
الطبعة: الأولى - 2000م
الناشر: دار نشر هيرست وشركاه، لندن- بريطانيا