ورغم صعوبة تحديد مفهوم العلمانية، فإن التعريف البسيط والشائع لها هو"فصل الدين عن السياسة"أو الدولة، بمعنى أن الرسالة الأساسية التي جاءت بها هي الحد من تدخل الدين في الشأن العام. وهذا المعنى البسيط يثير عددا من الإشكالات والالتباسات المفهومية التي ينبغي تأملها وبحثها، إذ يستعير ثنائية"الدين والدولة"الغربية المنشأ، ويرادف بين السياسة والدولة.
مفهوم الدين -كما ورد في اللغة العربية وفي اللغات السامية جميعا- يشمل السياسة ويشمل الاقتصاد ويشمل الحساب والعقاب كيوم الدين ويشمل الخضوع والإذعان ويشمل الاستقرار كما في المدنية، ويشمل مجموعة من المعاني التي تعني نمطا حياتيا متكاملا فيه الاقتصادي والاجتماعي والديني والأخروي والعمراني وكل ما هو داخل في المعنى اللغوي لمفهوم الدين. وحين نضعه في ثنائية الدين والسياسة، نوازي بين الأصل وفرعه، فالسياسة فرع عن الدين بمعناه الواسع.
كما تتجلى صعوبة استخدام مفهوم"الدين"من نواحٍ عدة، منها العمومية والإطلاقية التي تضفى على هذا المفهوم، وتوحي بالمساواة الكاملة بين مختلف الأديان، كما أنه لا يعير اهتماما للتمييز بين"الدين"و"الفكر الديني"، فالفكر الديني في جزء كبير منه بشري متغير وغير مقدس، وعلى النقيض من ذلك"الدين"مقدس ثابت مطلق، في حين هو ينحاز مسبقا للفكر العلمي (المادي الحسي) بما هو فكر بشري أيضا يقصي نظيره ويرفض الميتافيزيقي، ومن ثم فلا معنى للحديث عن حياد.
وبالنسبة لمفهوم السياسة فهي تعني -كما يعرفها ابن القيم-"أخذ الناس إلى الصلاح، وإبعادهم عن الفساد". يقول ابن عقيل -أحد فقهاء الحنابلة-"لو أنك تقصد أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فهذا غلط وتغليط للصحابة، السياسة هي أي فعل يكون فيه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، ولو لم يفعله الرسول ولو لم يرد فيه نص قرآني". فالسياسة فعل اجتماعي عام.
وأطلقت السياسة في التاريخ الإسلامي على كل ما يتعلق بأمور التهذيب والتربية والإصلاح والتكوين، ومن ثم لم تكن السياسة هي الدولة، وإنما كانت السياسة هي الفعل الاجتماعي أكثر من كونها هي الدولة.
هذه الالتباسات المفهومية تجعل من أي حديث عن العلمانية في السياق العربي الإسلامي محل إشكال، إذ تخضع لاستعارات خارجية وإسقاطات مغايرة.
الإسلام وتحدي أطروحة العلمنة
إشكال العلمانية مع الإسلام لا يقتصر على اختلاف مفهومي، فثمة أسباب تاريخية وبنيوية وفكرية لممانعة الإسلام ضد العلمنة، ومن ثم لن يكون لدعوات الإصلاح الديني الأميركية المطروحة بعد 11 سبتمبر/ أيلول صداها وتأثيرها البنيوي على الإسلام.
كان الأنثربولوجي أرنست غلنر طرح تساؤلا عميقا وهو:"لم يكون دين واحد بعينه [الإسلام] على هذه الدرجة الملحوظة من مقاومة العلمنة؟"معتبرا القول بأن العلمنة تنتشر في الإسلام هو"ببساطة أمر زائف بالأساس".
تتلخص رؤية غلنر في أن الإسلام دين مؤسس يختتم التراث الإبراهيمي وأنبياءه بصورة نهائية، وفكرة التوحيد فكرة مركزية صارمة فيه، وأن الإسلام عقيدة وشريعة معا، وليس هناك من انفصال بين خصائص العقيدة وخصائص الشريعة، كما أنه لا يوجد فيه قانون كنسي، بل شريعة مقدسة في ذاتها قابلة للتطبيق على جماعة المؤمنين لا على تنظيم أو مؤسسة.
ولحقيقة استيلاء الإلوهية على التشريع مضامين عميقة، ما يعني أن ثمة نوعا من الفصل بين السلطات داخل تركيبة المجتمع الإسلامي منذ البداية الأولى، فهي تُخضع السلطة التنفيذية إلى التشريع (الإلهي) ، وفي الممارسة الفعلية تحول اللاهوتيون/ القانونيون إلى مراقبين يضبطون ويرصدون صراطية واستقامة وصلاح السياسة بغض النظر عما إذا كانوا يملكون سلطة تنفيذية أم لا.
أما مبدأ"لا تجتمع أمتي على ضلالة"فربما يمنح إجماع الأمة -لا المركز السياسي- نوعا من السلطة التشريعية، وضمن إجماع الجماعة هذا يصبح صوت العلماء والفقهاء مؤهلا لأن يملك ثقلا خاصا.
وأمكن للشريعة أن تتوسع بناء على منهجية معرفية راسخة (أصول الفقه) ، فكان القانون الدستوري -إذا جاز التعبير- والمعيار المتعالي المتاح والمتفوق للاستقامة والصلاح بعيدا عن متناول السلطة السياسية والتلاعب به لمصلحتها.
غلنر: إن في الإسلام إيمانا عميقا بمعنى الدين المؤسس العقيدي القادر على تحدي أطروحة العلمنة بشكل كلي ومؤثر.
كما أن الإسلام يغيب فيه نظريا طبقة رجال الدين (الإكليروس) ، فليس هناك مكانة مقدسة تفصل الداعية أو المرشد وغيره عن جماهير المؤمنين، فهو وإن تمتع بكفاءة ومكانة أرفع، ليس كائنا اجتماعيا من نوع مختلف، وبهذا يتميز النظام اللاهوتي الإسلامي بالمساواتية التامة، والمؤمنون على نفس المسافة من ربهم.
وتاريخيا لم يعرف المجتمع الإسلامي ازدواجية الكنيسة/ الدولة، وأحد أسباب ذلك النجاح السياسي السريع والمبكر الذي عرفه الإسلام في وقت لم يكن فيه المجتمع الكاريزمي الأصلي بحاجة إلى تعريف نفسه باعتباره معاديا للدولة، فقد كان هو الدولة منذ البداية الأولى.