الخلاصة التي ينتهي إليها غلنر أن في الإسلام إيمانا دينيا عميقا، بمعنى الدين المؤسس العقيدي القادر على تحدي أطروحة العلمنة بشكل كلي ومؤثر.
تحولات العلمانية.. وتناقضاتها
في سنة 2000 تحدث جون أسبوزيتو وجون كين وآخرون ضمن كتاب"الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط"عن فشل تيار العلمانية في بلدان الشرق الأوسط، وأنه في انحسار مستمر لصالح تيار الفكر الإسلامي.
ثم جاءت أحداث سبتمبر/ أيلول وما تلاها من حروب أميركية وجهاد ضدها وجدل ديني سياسي على مستويات مختلفة من السياسة إلى التعليم والممارسة الدينية، وتعاظم دور القوى الدينية وتأثيرها في الحياة السياسية العراقية كل ذلك أسهم في بروز ودعم تلك الأطروحة.
قد يبدو ذلك أمرا عاديا يؤكد أطروحة غلنر، لكن المثير والجديد هو التسييس الشديد للمشاعر الدينية الأميركية، من خلال الإقبال المستجد من جانب"المولودين من جديد"على النزوع التبشيري الكبير، والهجوم للسيطرة على سياسات الدولة الأميركية الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط، وهو يعكس مظاهر الصحوة الدينية في الولايات المتحدة، خاصة خلال عقد التسعينيات، وهي صحوة سادت مختلف الطوائف الدينية الأميركية وعلى رأسها الجماعات الإنجليكية التي نجحت في بناء عدد كبير ومؤثر من المؤسسات السياسية.
العودة العامة للدين في أميركا انعكست على الروايات الأميركية وظهرت في الشركات والمؤسسات الاقتصادية، كما أثرت على الحياة السياسية، وتمظهرت في الحضور الكبير للقضايا الدينية والمتدينين في إدارة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش.
جاءت أحداث سبتمبر وما تلاها من حروب أميركية وجهاد ضدها وجدل ديني سياسي لتؤكد أطروحة انحسار العلمنة.
الصحوة الدينية -وفقا لتحليل هنتنجتون- تصب مباشرة في الدور المساعد الذي يمكن أن يلعبه الدين على الساحة الدولية، ومن ثم فهو يبشر بأن العودة للمسيحية تمثل عاملا مهما في دعم الهوية الأميركية ونشرها خلال الفترة الراهنة.
هذه التحولات تعني -ضمن ما تعني- ضرورة الفصل بين التحديث والعلمنة، والمثال الأبرز والمعبر هنا هو تلك الدعوة الأميركية لتخصيص يوم للصلاة لنصرة الجنود الأميركيين في العراق التي ترافقت مع خطط الحرب، وهو ما يؤكد فكرة جون فول، ويتفق مع غلنر أيضا الذي يقول إن"عالم الإسلام يُظهر بوضوح أن من الممكن إقامة اقتصاد عصري -أو على طريق العصرنة- تخترقه بشكل معقول المبادئ التكنولوجية والتعليمية والتنظيمية المناسبة، ويعمل على ضمها وتوحيدها مع الإيمان الراسخ والتماهي في الإسلام، بكل ما يملكانه من قوة وانتشار وقدرة قادرة على الاندماج في الذات".
ورغم أن أطروحة هنتنجتون والتحولات السابقة تشكل تحديا للعلمانية، فإنها تسهم في تعرية"الأصولية العلمانية"، خاصة العربية التي ترى أن العلمانية هي الخيار الأوحد لتحقيق التحديث والديمقراطية.
ففي مؤتمر"الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي" (الدوحة 3 يونيو/ حزيران 2004) ألح البعض على ضرورة العلمانية كشرط لتحقيق الديمقراطية، وهي دعوة لا تريد أن تعترف بالتغيرات التي تحدث على الساحة الفكرية والسياسية، كما لا تحترم معتقدات الشعوب، ولا ترى وسيلة للتعامل معها إلا بقطع الطريق عليها وقمعها، لأنها تدرك جيدا أن دعوة العلمانية إلى حرية العبادة وحرية الاجتماع الديني يقود في نهاية المطاف إلى زيادة رقعة الدين والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة، وبهذا القمع تفقد صفتها الأساسية وهي الليبرالية، ما يجعلها متلازمة مع الدكتاتورية كما هي حاليا، وهنا يتم تبرير الانقضاض على الديمقراطية تحت ذريعة أن الإسلاميين لا يعترفون بها كما حدث في الجزائر مثلا، أو منع الحجاب في فرنسا تحت مسمى الاندماج وصيانة العلمانية!