فعندما قيل بالفصل بين الكنيسة والدولة كانت هناك ثلاثة عناصر متضمنة في هذه الفكرة. العنصر الأول وهو الأخف كان يعي حقيقة وجود عدة كنائس [كاثوليكية وبروتستانتية] تعمل على الساحة الأوروبية في وقت ظهور الفكرة العلمانية ورأى ضرورة أن لا تتحكم واحدة منها في صياغة القانون والنظم القانونية والتعليمية في داخل الدولة القوية الواحدة لا سيما وأنها كانت مشتبكة في صراعات دموية للحياة أو الموت على كل المستويات. وعند هذا المستوى لم يكن المطلوب هو إبعاد الدين عن الدولة بل إبعاد سيطرة مذهب ديني واحد أو معين على النشاطات الكبرى لتلك الدولة لاسيما في ظل وجود مذاهب مسيحية أخرى. ولم يمنع هذا من وجود الكنيسة مهيمنة على الدولة حيث وجدت وحدة المذهب لاسيما في الدول البروتستانتية [إنجلترا مثلاً أو المملكة المتحدة حيث فرضت وحدة المذهب بالقوة والتطهير الديني وقرار الدولة في ضحى عصر النهضة والحداثة الأوروبية على مدى القرنين السادس عشر والسابع عشر] . والعنصر الثاني، وهو الأشد نسبياً، فلم يكن يعني أيضاً وبالضرورة استبعاد وإقصاء الدين نفسه عن الحياة بل كان يعني فقط قراراً تنظيمياً لصالح مؤسسة الدولة القوية [الملكية أو البرجوازية] في مواجهة مؤسسة مجتمعية قوية أخرى هي الكنيسة [لاسيما الكاثوليكية] الأقوى تنظيماً والأعمق رسوخاً، وفي هذه الحالة كان العداء والدعوة للإقصاء ينطلقان من دافع السلطة القوية أو الدنيوية إلى الانفراد بالحكم بعيداً عن تأثيرات السلطة الكهنوتية الكاثوليكية أكثر من دافع العداء للدين في حد ذاته ومن رؤية تقول بأن التعصب الكنسي وعدم وجود أي شريعة أو قانون ديني مسيحي شامل [برنامج بلغة العصر] يفرض على الكنيسة أن تقبع داخل النطاق الديني الذي حدده الدين نفسه لها ولا تدخل إلى النطاق الزمني أو الدنيوي أو 'العلماني [بمعنى العالم الحالي وليس الأخروي] . ويمكن القول إن هذا العنصر من المقولة العلمانية هو دعوة لتطبيق المسيحية على الحياة وليس إقصاءاً لها لأن المسيحية نفسها تقيم هذا التوزيع للمتخصصات. أما العنصر الثالث لفصل الكنيسة عن الدولة فكان يستهدف بالفعل الدين نفسه ويتحدث عن الكنيسة باعتبارها الممثل الشرعي المعلن والوحيد للدين [المسيحي] ، وبالطبع كان هذا التيار متأثراً بتراكم الفكر الناقد والمعادي للمسيحية بعقيدتها وكتابها المقدس وتعاليم كنيستها وممارساتها هي التي احتكرت حتى تمثيل المسيحية والتحدث باسمها كما كان متأثراً بأفكار عصر النهضة وإحياء الفلسفة اليونانية وأفكار عصر التنوير. ومفاهيم الفردية والعقل...الخ البرجوازية الصاعدة.لكن النقطة الحاسمة في هذا الصدد وهي التي تعيدنا إلى تضليل الدعاية العلمانية في العالم العربي هي أن تنحية الدين وإقصاءه عن الدولة أو حتى عن مجالات عديدة في المجتمع لم تؤد بالفعل إلى نهايته وانقراضه وموته وغيابه التام عن الحياة الاجتماعية لأن الكنيسة بحكم وجودها المادي والمؤسسي ظلت هي الكيان المادي الذي يحتويه ويحتضنه ويمهد لعودته عندما تتغير الأمور وتهدأ الموجة العلمانية العالية.
12 المحرم 1427هـ
11 فبراير 2006م