تحدّث طه حسين في بداية كتابه عن العقل المصري، وقرّر أنه متّصل بالعقل الأوروبي، وأنه ليس هناك فرق جوهري بينهما، وأنّ الشعب المصري متأثّر بشعوب البحر الأبيض المتوسّط، واعتبر طه حسين أنّ الإسلام لم يخرج مصر عن عقليتها الأولى، وبأنّ رضا مصر عن الفتح الإسلامي لم يبرأ من السخط، ولم يخلص من الثورة والمقاومة، وبأنها لم تهدأ، ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة في ظلّ ابن طوسون، وفي ظلّ الدول المختلفة التي قامت بعده.
ويتصل هذا الكلام الذي ذكره طه حسين في كتاب"مستقبل الثقافة في مصر"اتصالاً وثيقاً بوجهات نظره الأخرى التي عبّر عنها في منابر أخرى سياسية وأدبية وثقافية؛ إذ دعا فيها إلى القومية المصرية الفرعونية، والتي اعتبر فيها أنّ الشعب المصري يشكّل"أمّة مصرية"مستقلّة، كما اعتبر أنّ مصر هي"الوطن المصري".
لا أريد أن أناقش وجهات النظر السابقة ومدى خطئها وعدم صوابيتها، فقد فعلت ذلك في مكان آخر كما فعل ذلك غيري، ولكني أشير إلى أنّ هذا هو أحد الأسباب الرئيسة الذي جعل الخطط الثقافية لا تنجح ولا تعطي ثمارها؛ إذ كيف تنجح، ونحن لم نعرف ذاتنا معرفة صحيحة؟ فكيف يكون الشعب المصري"أمّة مصرية"بالمعنى الفرنسي للأمّة التي تعتمد العوامل الجغرافية في تكوين الأمّة، وليس جزءاً من أمّة عربية إسلامية؟! وكيف تكون مصر"وطناً"بالمعنى الأوروبي لكلمة"الوطن"وليس جزءاً من الوطن العربي الإسلامي؟ وكيف لم يخرج الإسلام"العقل المصري"عمّا كان عليه قبل الإسلام، ونتجاهل كل الآثار الثقافية والعلمية والتربوية والفنية التي تركها الإسلام في واقع الحياة المصرية؟
هذه هي العوامل التي جعلت معالجات المسألة الثقافية في القرن العشرين لا تعطي ثمارها ونتائجها الصحيحة، فهل المعالجات في القرن الحادي والعشرين ستتجنّب تلك الأخطاء؟ الملاحظ أنّ معالجات المسألة الثقافية في القرن الحادي والعشرين، تقع في الخطأ ذاته الذي وقعت فيها معالجات القرن العشرين، بل ربما في خطأ أسوأ، فهي تنظر إلى المنطقة على أنها جغرافيا ممتدّة فارغة تريد أن تملأها بالمضمون الثقافي الذي تريده، وهي توسّعها مرّة كما في"مشروع الشرق الأوسط الكبير"، فتجعلها ممتدّة من باكستان إلى المغرب مروراً بأفغانستان وإيران وتركيا و إسرائيل، وهي تضيّقها مرّة أخرى لتجعلها ممتدّة من إيران إلى المغرب كما في التعديلات الأوروبية له.
إنّ تلك الرؤية للواقع البشري تشير إلى أننا لم نستفد من كل التجارب السابقة في القرن العشرين، وإلى أننا ربما سننتهي إلى نتائج أسوأ في معالجات المسألة الثقافية في القرن الحادي والعشرين.