عجبت لتصور الأستاذ عبد الله أبو السمح أن الحديث عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين إنما هو وهم أسماه أبو السمح (الغارة الوهمية) ، لقد صحب نابليون معه في حملته على مصر جيشاً من المستشرقين والعلماء ليس حباً في مصر، ولكن لإحكام السيطرة عليها في جميع المجالات. ولما غادر نابليون مصر بعث إلى نائبه في مصر أن يبعث إليه 500أو 600 شيخا من المماليك، والهدف من هذه البعثة كما يقول محمود شاكر في كتابه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا نقلاً عن رسالة نابليون:"فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يحجزون مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة (الفرنسية) ، ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولما يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إلى غيرهم".وقد كتب محمد المنوني في كتابه يقظة المغرب العربي أن المشرف الفرنسي على إحدى البعثات الطلابية المغربية طلب أن يبقى الطلاب المغاربة مدة أطول في فرنسا بعد انتهاء بعثتهم ليتشبعوا بعظمة فرنسا وحضارتها.
ونواصل مع محمود شاكر في حديثه عن محمد علي سرششمة أنه بعد أن استقر في الحكم"وازداد إطباق"القناصل"و"المستشرقين"على عقله وقلبه وخاصة الفرنسيين منهم، وكان من تخطيط هؤلاء الاستيلاء على عقول بعض شباب البلاد من خلال الابتعاث إلى أوروبا بعامة وفرنسا بخاصة. ويقول محمود شاكر"وسنحت لجومار (أحد المستشرقين) أعظم فرصة باستجابة محمد علي لإرسال بعثات إلى أوروبه فبنى مشروعه ... على شباب غض يبقون في فرنسا سنوات تطول أو تقصر يكونون أشد استجابة على اعتياد لغة فرنسا وتقاليدها، فإذا عادوا إلى مصر كانوا حزبا لفرنسا، وعلى مر الأيام يكبرون ويتولون المناصب صغيرها وكبيرها، ويكون أثرهم أشد تأثيراً في بناء جماهير كثيرة تبث الأفكار التي يتلقونها في صميم شعب دار الإسلام في مصر.""
وحل الاستعمار الإنجليزي بمصر وبغير مصر فظهر عداء الغرب للإسلام والمسلمين، ولو اقتصر الأمر على حرمان بلد مسلم من السيادة والاستقلال لهان الأمر لأن روح الجهاد إذا ما استيقظ لم يبق للأجنبي وجود. ولكن الغرب يعرف هذا تماماً فكان حرصه على قتل هذه الروح. فما كان لهم من سبيل إلاّ العبث بالتعليم، فلما تولى اللورد كرومر منصب أول حاكم عام لمصر (1893-1907م) ، وكان مسؤولاً عن حكم مصر مدة تصل إلى أربع عشرة سنة، وكان رأيه كما جاء في كتابه الذي نشره بعد مغادرته مصر (مصر الحديثة) :"إن الخلاف الشديد بين المسلمين والمستعمر الغربي في العقائد، وفي القيم، وفي التقاليد وفي اللغة وفي الفن، وفي الموسيقى.."ولا بد من التغلب على هذا الخلاف وثمة طريقان في رأيه: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين الذين ينشؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ومن الانجليز على وجه الخصوص في طرائق السلوك والتفكير، ومن أجل ذلك أنشأ كرومر كلية فيكتوريا التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي ليكونوا من بعد هم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه على مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر الحضارة الغربية."وقد حدثني أحد الذين درسوا في هذه المدرسة انهم كان محرما عليهم التحدث باللغة العربية في المدرسة، ويعاقب من يضبط متلبسا بالحديث باللغة العربية. أما الصلاة والدين فلم يكن لهما مكانا في هذه المدرسة."
وكان التعليم في عهد كرومر قد أنيط بالقسيس دنلوب الذي يقول عنه محمود شاكر:"فأسند التعليم إلى قسّيس مبشر عاتٍ خبيث هو"دنلوب""ويضيف:"وجاء الاستشراق الإنجليزي ليحدث في ثقافة الأمة المصرية صدعا متفاقما أخبث وأعتى من الصدع الذي أحدثه الاستشراق الفرنسي."وهذا الصدع هو ربط ثقافة المصريين بالفرعونية.
وكان موقف الاحتلال الإنجليزي في الأردن شبيها بما حدث في مصر فحدد المندوب (السامي) مثلا الحصص المخصصة للدين ، ويذكر أن أحد المسؤولين الإنجليز زار مدرسة فسأل عن الجدول فوجد أن حصص الدين أكثر مما هو مسموح به فاستشاط غضباً. وأما المنهج الدراسي فكان ضعيفا حيث لم تزد عدد السور المطلوب حفظها عن بضعة سور في المرحلة الابتدائية، ولم يكن ثمة مكان لحفظ أي عدد من الأحاديث النبوية الشريفة. أليس هذا التدخل في المناهج الدراسية يعد من العداء للإسلام والمسلمين، فإذا لم يكن عداءً فما العداء إذن؟
ومما يؤكد هذه العداوة ما جاء في الآية الكريمة {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} التي يقول القرطبي في تفسيرها:"يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم. والبغضاء: البغض، وهو ضد الحب ... وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. وتتمة الآية (وما تخفي صدورهم أكبر) يقول القرطبي أن معناها:"إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم .