والإيمان الحتمي بالصيرورة الدائمة صفة ملازمة للتيار العلماني، وهي تعني بالضرورة - من ضمن ما تعني ـ الخروج مما يسمونه (عبء الهوية) ، والتخلص من (الخصوصية) الثقافية والمكانية والزمانية؛ في محاولة قوية وجادة لتنميط الواقع المحلي، وجعل مكوناته الثقافية والعلمية والعملية مكونات تشبه قطع الغيار، حيث تتصف قطع الغيار أنها لا هوية لها، ولذلك يمكن بكل سهولة ويسر إحلال قطعة غيار مكان أخرى، في الواقع الثقافي والأخلاقي والاجتماعي.
وينطلق فلاسفة هذا التيار من خلال محاولة تفسير العالم كله بتفسير مادي موحّد ـ رغم دعوى التنوع ـ، ويجعل لذلك إطاراً أصولياً كامناً، لديه القدرة على اختزال الإنسان ومناشطه وأعماله وطموحاته ونهضته في (الذرائعية) المصلحية، والنسبية المطلقة للأخلاق، والحتمية المطلقة للصيرورة.
وبالتالي؛ فقضية التغيير سوف تكون وفق هذا النموذج ليست مجرد مطلب، بل أصبحت (مذهباً) ينطوي على استيراد جاهز يُصبغ بصبغة محلية أو أقليمية أو عربية؛ في عملية ممنهجة مكرسة ينتهي وصفها الإجمالي ويتلخص في أنها: استعارة غريبة يسعى وكلاء الغرب إلى استنباتها في الواقع الإقليمي والمحلي بأي شكل من الأشكال؛ طمعاً منهم في تحقيق الفردوس (التكنوقراطي) أو النعيم (الليبرالي) ، أو جنة الخلد (الديمقراطية) .. ونحو ذلك مما يتم التعبير عنه في الفلسفات والكنايات والتحليلات العلمانية بشكل أو بآخر.
u الموقف الثاني: موقف المتقبل لقضية التغيير، بل والمعتنق لمذهب (التغيير) مع شيء من التحفظ:
وهو موقف العصرانيين من المسلمين، والذين يؤمنون بالإسلام ولكن بطريقة عصرانية تأتي تحت مسميات وأوصاف مختلفة؛ (العقلانية الإسلامية) ، (المسلم المعاصر) ، (الوسطية العصرانية) ، (المحايد العصراني) إلى آخر ما هنالك .
وإن صحت استعارة مصطلحات اليمين واليسار؛ فيمكن أن يعد هؤلاء من يسار الاتجاه الإسلامي، مع التحفظ على بعض دلالات هذا التصنيف.
وهم على درجات مختلفة؛ فبعضهم يعيش على تخوم الأفكار العلمانية، فهو متأثر بها بحكم (عدوى المجاورة) ، وبعضهم يبتعد موطنه العصراني عن حدود العلمانية قليلاً أو كثيراً.
ومن سمات هؤلاء (السيولة العامة) في مقابل ما يسمونه (الصلابة) التي يُظهرون التذمر منها، ويوجهون إليها سهام نقدهم، وهم يعيشون مرحلة تحولات مربكة، فلديهم الانتماء للأمة ودينها وتاريخها على الجملة، فهم من هذه الجهة متصلون بها، ولديهم انفصال عن بعض مقومات الأمة، ونفور عما يسمونه الأصولية الحرفية، أو النصية، والتفسيرات التراثية للوحي، وقوانين النظر والاستدلال، واليقينية، والأبوية، والنقل، والمبدأ الواحد، والفرقة الناجية، والولاء والبراء.
ولديهم مشكلة كبيرة في (المعيارية) من أين تُستمد؟ أمن النص المعصوم، أم من العقل، أم من الأسلاف أم من المادة؟
كما أن جملة من أصحاب هذا الموقف تأثر ـ بحكم المخالطة الفكرية والثقافية ـ بفكرة (الصيرورة الدائمة) التي هي أصل من أصول التفكير العلماني والحداثي.
وبالجملة؛ فإن كثيراً من أصحاب هذا الاتجاه يتركون حيزاً واسعاً للقيم الإنسانية والأخلاقية المطلقة، بل للقيم الدينية ما دامت لا ترى واحدية المنهج، أو تعتقد الصفاء، أو نجاة طائفة معينة، ولديهم قابلية شديدة لدعوة التغيير التي يرون فيها جسراً يقودهم إلى الضفة الأخرى، والتي يحلمون أن تكون فيها أدوات التحضر والنهضة.
هناك قاسم مشترك بين هؤلاء والصنف الذي قبله، وهو شغفهم بالتغيير، وانفتاحهم نحوه، واستهدافهم جميعاً «المنهج» ، غير أن الصنف الأول يستهدف (المنهج العام) الإسلام بعمومه وشموله وكماله، والصنف الثاني يستهدف (المنهج الخاص) منهج أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص.
كما أن هناك فارقاً جوهرياً بين الموقفين، وهو أن الأول منهما شمولي كلي على الرغم من أن أصحابه يعلنون بصورة دائمة أنهم لا يؤمنون بأي مطلقات أو كليات.
أما الثاني (العصراني) فهو جزئي بالنسبة إلى موقفه من الإسلام، وكلي في رغبة تغيير مفهومات منهج أهل السنة والجماعة وتطبيقاته.
ومن هنا يمكن معرفة موقف كلا الطائفتين من التغيير مصطلحاً وشعاراً ومنهج عمل، مع الإشارة إلى أن الأفكار والأشخاص والمواقف والفئات لا يمكن حصرها في حدية تصنيفية قاطعة، فهناك نتوءات وخروقات واستثناءات.
u الموقف الثالث: موقف الرافض لقضية التغيير أو المتحفظ إزاءها بشدة:
خوفاً من تبعاته وآثاره، وحذراً من مخاطره وسلبياته، وهو موقف فئة صادقة الانتماء للدين والأمة، حريصة على عزتها ومكانتها، ولكنها بسبب الثبات المطلق تتشبث بالقديم حتى لمجرد قدمه أحياناً، وتنفر من الجديد وخاصة في عالم الأفكار والرؤى، حتى لمجرد جدته أحياناً.
وتميل إلى التفسير الحرفي الظاهري للنصوص التي هي في حقيقتها حمَّالة أوجه.
كما أن لديها كماً من الحذر الشديد ـ مشفوعاً بالرفض أحياناً ـ أمام كل وافد وغريب، إضافة إلى انحصار المدلولات اللغوية والمعنوية للأمور الحادثة لديهم بين قطبي الخير والشر والصحة والفساد.