فهرس الكتاب

الصفحة 15086 من 27364

بحثاً عن يقين مطلق أو حكم جاهز، وهذا ما يقتضي انحسار مساحة النسبية، وتقلص ميدان الأمور والقضايا ذات الطبيعة التركيبية، وهذا ما سيقود بدوره إلى وضع قواعد عامة حاسمة للقبول والرفض؛ حتى في الأمور التي تحتاج إلى تفصيل وتفسير وقسمة.

u الموقف الرابع: موقف المتقبل لقضية التغيير بشروط وضوابط شرعية وعقلية ومصلحية:

وهو موقف جمهور العلماء والدعاة، وخاصة علماء الصحوة، ورجالات الثقافة والفكر والأدب وغيرهم من أصحاب التخصصات التي يستند أصحابها على مبدأ الخصوصية العقدية والعبادية والفكرية والثقافية والمنهجية والتطبيقية العملية، وهو المبدأ القائم على قاعدة: (الإسلام عقيدة وعبادة، وأعمال وأخلاق، وشعيرة وشريعة، ودين ودولة، ومصحف وسيف، وأصالة وحضارة) .

وهم بحكم علمهم الشرعي الأصيل وثقافتهم العصرية المتسعة لديهم رؤية في قضايا التغيير والتطوير والتحديث والمعاصرة تعتمد على مبدأ: (أخذ مقتضيات العصر، ونبذ أهوائه وأمراضه) .

ولعل من الممكن في هذه العجالة ذكر أهم العناصر الرئيسة المستشفة من أقوالهم وتصريحاتهم ومقالاتهم في قضية التغيير كما يلي:

1-التغيير بمفهومه القرآني يبدأ من الداخل: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} [الرعد: 11] ، تغيير المعتقدات والأفكار الفاسدة التي تؤدي إلى دين فاسد، أو دنيا فاجرة؛ بمعتقدات صحيحة قويمة سليمة، وتغيير المشاعر والإرادات السلبية، وإحلال أخرى إيجابية مكانها، وتغيير المسالك والأعمال الخاطئة (دينياً أو دنيوياً) ، وإيجاد البديل الصالح.

2-الدعوة إلى التغيير مطلوبة معقولة وذات مصلحة إذا صدرت من صادقي الانتماء للأمة، ولكنها ستكون متهمة ومشكوك فيها إذا جاءت متناغمة ومتعاطفة مع حملات الأعداء ووكلائهم.

3-التغيير عملية إصلاحية كبرى، ومع ذلك يجب ألا يتحول التغيير إلى مذهب معتنق وعقيدة متبعة؛ لأن ذلك سيؤدي إلى التغييرات المطردة نوعاً وكماً، في كل شيء، وهذا يعني العدمية وعدم الثبات، وإبطال القواعد والأصول والكليات والثوابت، وهذا ما يسعى إليه الأعداء والمتأثرون بهم، أو العاملون لصالحهم، فهناك فرق بين كون التغيير مطلباً يُستدعى عند الحاجة إليه؛ لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، وكونه مذهباً يستعمل في كل آن، ويستدعى في كل حين ولكل قضية.

4-إن دعوات التغيير المصوبة نحو القضايا الثقافية والمناهج التعليمية والدينية والمسائل الشرعية؛ أسهل تناولاً وأخف تبعة، فهي الجدار القصير الذي يمكن لكل أحد أن يتسلقه، والملاحظ أن دعاة التغيير لا يذكرون شيئاً عن الأمور الأكثر سخونة والأشد عمقاً، والأقوى تأثيراً، فمناهج التعليم تخرج الإنسان الصالح والمؤمن التقي، والفاسد الشقي، كل حسب فهمه ومقدار أخذه وقناعته، ولكن المظالم العامة والانتهاكات للحقوق، والطبقية المناطقية، والعنصرية القبلية، والأسرية والفئوية، والرشوة والفساد، والواسطة وإضاعة الحقوق والمماطلة والاحتكار، والطبقية المالية المتباينة، والربا وأشباهها لا يذكرها دعاة التغيير؛ مع أنها هي التي تدمر البلاد وتفسد العباد، وتوجد البغض والشنآن بين الراعي والرعية، وبين الرعية نفسها، وفي ذلك نصوص صريحة من كلام ربنا تعالى، وكلام نبينا صلى الله عليه وسلم ، ومن تجارب الأمم والشعوب والدول.

في حين أن المناهج (المستهدفة بالتغيير في بعض دول الخليج مثلاً) ، وهي مناهج في جملتها مستندة إلى الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة؛ تعد من الضمانات الكبرى للاتحاد والائتلاف.

5 -إن كل صاحب رأي ثاقب وعلم واسع وإطلاع جيد على نصوص الكتاب والسنة، والأخبار والحوادث التاريخية؛ يجد أن كل غاز يتخذ ما يشاء من ذرائع للاحتلال والعدوان، فها هو العراق لم يكن لديه أسلحة دمار شامل، وها هي سوريا لا توجد فيها مناهج تعليم ترتكز على قضايا الكفر والإيمان، وعقيدة الولاء والبراء التي يسميها بعض الجاهلين الانفصال عن الآخر. وها هي إندونيسيا لا يوجد فيها شيء من هذا، وها هو المغرب كذلك.

بل كل هذه البلدان غيرت وجهة الثقافة والتعليم من سيمائه الإسلامية ومعاقده الاعتقادية؛ ليكون أشبه بالتعليم الغربي، وأخرجت المرأة من عرشها المصون، وحصنها المنيع ومكانتها الراقية؛ لتتشبه بالغربية في العمل والاختلاط والسفر والسهر والرياضة واللعب، ومع ذلك احتُلت العراق، وسوريا تحت مطرقة التهديد، وفصلت تيمور عن إندونيسيا، والصحراء المغربية ما زالت شوكة في حلق أهل المغرب؛ إضافة إلى سبتة ومليلية.

6 -التغيير الثقافي والفكري بالطريقة الأمريكية يستهدف إيجاد «غلام أحمد ميرزا القادياني» ، ومفتي الهند في عهد الاستعمار «إسماعيل بن الوجيه المراد أبادي» المشهور باللندني، نسبة إلى لندن التي عاش فيها وتزوج فيها، وكان يقال له لماذا لا تحج فيقول: «أنا لا أعتقد في الجدران» ، فجعلوه مفتياً بدل عالم السنة والحديث الشيخ «إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت