وإيجاد أبي مازن محمود عباس ميرزا البهائي، والذي رضيت عنه كل القوى اليهودية والأمريكية والبريطانية ليكون المسؤول الأول في فلسطين ـ هو أحد الأدلة الصارخة على نوعية التغيير.
ويمكن النظر بعين البصيرة إلى موقف أمريكا من جامعة الإيمان في صنعاء، حيث الحرب الموجهة ضدها والتأليب المستمر، سواء من أمريكا مباشرة أو من خلال وكلائها في اليمن، ثم التأمل في الصور المعاكسة في الموقف من جامعة الأحقاف، ودار المصطفى في تريم، والتي تدرس عدداً كبيراً من الطلاب يفوق عدد طلاب جامعة الإيمان؛ فلماذا السكوت عن هذه، بل والتأييد لها والدعم، والمحاربة لتلك، والتهديد، وتسفير الطلاب، وإلغاء المنح؟!
إنها الخطة القديمة الحديثة: كل ما يخدر الأمة بحفلات وأعياد، وغناء ورقص، وينقض معاني النخوة فيها، ويجمد دماء الحمية الإيمانية في عروقها، ويمرغها في أتربة المقابر وعتبات الأولياء، ويعلقها في السبح والعمائم والخرق والتمائم، فهو مطلوب مرغوب محبوب؛ لأنه معتدل وعصري وسلمي ومتحضر وعولمي ومفكر وعميق ومنفتح ومتفاهم؛ لأنه باختصار غير خطير على الأمريكان والأنجليز!
أما من يقول لي حريتي وأصولي ومعتقداتي وشريعتي ونظام حياتي، ولي جذوري الممتدة إلى عصر النبوة، ولي نصوص الوحي المعصوم، ومنهجي الاتباع لا الابتداع، وطريقتي الدين بشموله وكماله وتمامه؛ فهو لا شك متطرف وأصولي، ومتعصب وخطر على السلم العالمي!
7 -التغيير بالصيغة الأمريكية والعلمانية عملية شاملة بل (مذهب) متبع، ودعاة التغيير المتناغمون مع الطرح الأمريكي معروفون، ليس فيهم من يوثق بعلمه الشرعي، ولا حميته الإيمانية، ولا الفهم الجيد ولا العلم الصحيح ولا الإدراك المتكامل، بل فيهم من أهل الأهواء والأمراض الفكرية ما يستوجب الحَجْر عليه حتى الشفاء من دائه، وإن شئت فراجع مقال «سليمان النقيدان» عن (وهم الخصوصية الثقافية والمكانية) ، ومحاضرة «تركي الحمد» عن (خصوصيتنا والعولمة) ، ونحو ذلك من أقوال ومواقف صادرة من طائفة مغموصة بالأهواء؛ مغموسة بالإشكالات الفكرية والعملية، منتسبة إلى البلدان الإسلامية اسماً ورسماً، وللغرب حقيقة ومضموناً.
8 -عملية التغيير التي تدعو إليها شرائح الاستعارة الفكرية، عملية خطيرة ذات أبعاد شمولية متكاملة ـ وفق التصورات الأمريكية وليس وفق شروط محلية أو وطنية ولا دينية ـ هذه العملية قد تتم ـ إلا أن يشاء الله ـ ربما بصورة متدرجة، وسينال الوضع الديني والتعليمي والخيري والمرأة أكبر النصيب في البداية، ثم إن تواصلت ـ في ظل سكوت أهل الحق والغيرة على الأمة ومصالحها ومقوماتها - فستصل إلى التخوم الخطيرة، المستهدفة أصلاً، وسينتج عن ذلك من الصراع الاجتماعي والثقافي ـ وربما المادي ـ ما لا يعلم مداه إلا الله، فهذه طبيعة التغييرات العصرانية والعلمانية التي تمت في بلدان عديدة من بلاد المسلمين، وما زال الجميع يكتوي بنيرانها إلى اليوم، بل أصبح من يدعو للتدين ولو بصيغه الوعظية، في مقام المتهم والممنوع، ولا تخفى على الجميع قصة عمرو خالد في مصر، وحجاب مروة في تركيا، والمداومة على الصلاة في المسجد في تونس، وهي أمثلة معدودة من ديوان المأساة العلماني المليء بالمآسي والقهر والظلم والعدوان.
وبناءً على هذا يرى أهل العلم والإيمان أن الدخول في هذا المعترك ـ الذي أقل ما يقال فيه أنه ملتبس وغامض ـ ينطوي على أمور مشبوهة في منطلقاتها ومآلاتها، وهم يعارضون دعوات التغيير الأمريكي ومعهم حجج قوية، وشواهد صارخة، وبراهين واضحة، ويمكن للمنصف ـ حتى وإن خالفهم ـ أن يتفهم موقفهم هذا وأن يقدره، فهؤلاء الدعاة والعلماء والمثقفون المسلمون أصدق مواقف، وأكثر انتماءً للأمة وفيهم علماء الشريعة، وأهل الفتوى، وأرباب الدعوة وأهل الصلاح، وهم الأقدر على تقدير مصلحة الأمة من أولئك الذين قام بهم سوق المزايدة، وراجت بهم بضاعة المناكدة، وغرقوا في الوهم واللبس والوهن والخور.
9 -ومع ذلك فهذا الصنف لا يعارض التغيير الإيجابي النافع؛ لأنهم يرون أنه لا يعارض (التغيير) الإصلاحي إلا جامد، ولا يقاومه إلا يابس أو يائس، أو مستفيد من الأوضاع الفاسدة، أو خائف من نتائج الإصلاح الحقيقي، والمراد هنا الإصلاح القائم على شروط الأمة وخصائصها وموقوماتها، والمتجه نحو مصالحها الحقيقية حالاً ومآلاً، وليس (مذهب التغيير) الذي يملى علينا ليتم وفق المصلحة الأمريكية، كما يمارسه الحاقدون على الثقافة الإسلامية وأدبياتها المسلكية المعبرة عنها؛ كالأنشطة الإسلامية في المدارس، والتسجيلات الإسلامية، والمنابر الدعوية، والمدرسين الدعاة، والأنشطة غير المنهجية في المدارس. والكارهون لحجاب المرأة وعفتها وصيانتها ومكانتها.
10 -أختم هنا بذكر نموذج التغيير التي تطلبه أمريكا وترغب فيه، بل وربما تلزم به، وذلك ما جاء في تقرير لجنة أمريكية درست مناهج المدارس السعودية.
وفحصت 93 كتاباً، وكتبت عنه تقريراً مفصلاً للإدارة الأمريكية، ونشرت مجلة المجلة مقتطفات منه في 5/1/1424هـ.