إن مفهوم المجتمع المدني مفهوم غربي مستورد وُلد ونشأ في ظل الصراع السياسي والاجتماعي الذي عرفه المجتمع الأوروبي منذ القرن السابع عشر، وتلازم نشوؤه مع التشكيلة الرأسمالية الغربية، مما يعني أنه مفهوم دخيل على الفكر العربي والإسلامي ولا تاريخ له في هذا الفكر، ولا زال هذا المفهوم كالجنين الذي هو في طور التكوين تختلف تفسيراته وتضطرب وتختلط ويسودها الغموض والضبابية بين المروِّجين له من المثقفين في بلادنا [7] حتى في أشد الدول استهلاكاً له. ولم يتعرف هؤلاء المثقفون على هذا المفهوم بحد ذاته، وإنما جاء هذا التعرف عبر اهتماماتهم بالأفكار الماركسية المحدثة القادمة من المجتمعات الأوروبية التي نشط فيها هذا المفهوم بعد غفوة طويلة، خاصة بعد أن تأكد لهم عدم مصداقية المفاهيم الماركسية القديمة كالصراع الطبقي وغيرها [8] ، وقد تبناه هؤلاء المثقفون باعتباره حجر الزاوية في كل ما يعتقدون أنه تحوُّل ديمقراطي حقيقي في البلاد العربية على حد قولهم. والغريب في الأمر أنهم حاولوا التنقيب عن تماثلات وتشابهات للمفهوم في التراث الإسلامي، فهداهم تفكيرهم إلى تصور أن الجذور الأولى لهذا المفهوم ترجع إلى ما يسمونه بـ « وثيقة المدينة » أو « الصحيفة » التي اعتبروها « دستور المدينة » التي افتتح بها النبي صلى الله عليه وسلم إقامته في المدينة بهدف تدعيم ما يسمونه بـ « البناء الداخلي الجديد » الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع لبناته الأولى في المدينة، وقد بلغت بهم السطحية وكراهية الشريعة أن تصوروا أن هذه الصحيفة تبين أن الإسلام ممثلاً في الرسول صلى الله عليه وسلم قد أدار الحكم وشؤون البلاد وفق صيغ وقوانين وضعية؛ ومن ثم فإن نظام الحكم في الإسلام متروك للبشر وفقاً لحاجاتهم وظروفهم والعصر الذي يعيشون فيه [9] .
والذي نتصوره هو أن فكرة « المجتمع المدني » التي يُروَّج لها في بلادنا اليوم ليست إلا تقليعة أو موضة جديدة ظهرت في غير أوانها على حد تعبير بشارة أنشئت من أجلها مراكز أبحاث ونشرات إخبارية ودوريات علمية ومؤتمرات وندوات، تبناها مثقفون علمانيون من أصحاب التطلعات الاجتماعية والطموحات الشخصية الذين جرفتهم موضة التيار السائد (المجتمع المدني) دون تفكير في السؤال الهام: لماذا سارع المثقفون الآن إلى تبني هذا المفهوم؟
والجواب في تصورنا للأسباب الآتية:
أولاً: المثقفون نخب مشتغلة بالتنافس على الوكالات؛ فكما توجد حروب على الحصول على الوكالات الأجنبية في الاقتصاد فكذلك يوجد تنافس بين النخب الثقافية على وكالات الأفكار، وبخاصة أن مؤسسات المجتمع المدني يتم تمويلها بأموال المساعدات الغربية؛ فمؤسسات المجتمع المدني تقوم بإرسال أخبار الأوضاع الداخلية للبلاد إلى الخارج، وتراقب الانتخابات في الدوائر العمالية والنقابات، كما تستفيد من تقارير هذه المؤسسات وخاصة تلك العاملة في مجالات التنمية والصحة والمرأة والأقليات في الاختراق المعرفي، أو ما تسميه (ثناء المصري) : اختراق النقاط المنعزلة البعيدة في جسد المجتمع، وإدماج البلاد في السوق الرأسمالي وتدعيم عملية التطبيع مع إسرائيل كما كشفت عن جانب من ذلك أحداث مركز ابن خلدون الأخيرة في مصر. ومما يدعم هذا الرأي أن ثقافة النخبة كما يعترف أصحابها بأنفسهم ليست واقعاً أو حقيقة صلبة إنما هي متغير معرض دائماً ليد المصالح الخفية، وحسابات النظام والقوة [10] .
ثانياً: وجد المثقفون أنهم حينما يتحدثون عن المجتمع المدني يتحدثون عن أنفسهم وعن الطبقات الاجتماعية التي يتواصلون معها؛ لأن الإرادة الخاصة لبسطاء الناس لا تنسجم مع الرأي العام الذي يمثله هؤلاء المثقفون ويحاولون عرضه على اعتبار أنه مجتمع مدني، كما أن توافر مستوى معيشي لائق بالجماهير هو شرط لتطور مجتمع مدني كامل، وهذا الهدف مستحيل التطبيق طالما بقيت هذه الجماهير في ظروف أدنى من مستوى الفقر، مما يعني بوضوح أنها مستثناة من المجتمع المدني [11] .
ثالثاً: وهو السبب الأكثر أهمية حيث إنه يكمن في أنهم شعروا بشدة الحاجة إلى هذا المفهوم لمواجهة الخطاب الإسلامي. يقول بشارة: « إن ازدياد استخدام المثقفين العرب لمفهوم المجتمع المدني راجع إلى الحاجة لوضع أيديولوجية جديدة بيد خطاب التحديث الفاشل في الوطن العربي في مواجهة الخطاب الإسلامي، ليس الهدف إذن فهماً أفضل لآليات تطور المجتمع المدني، وإنما أداة في مكافحة المد الإسلامي » [12] ، ولهذا قام مثقفونا باستحضار المناقشات الدائرة في العالم الغربي منذ ثمانينيات الأزمة البولندية عن دور المجتمع المدني في مواجهة الدولة الشمولية، لعلها تفيدهم في مواجهة المد الإسلامي، ذلك المد الذي حاصر العلمانيين واضطرهم إلى الهروب إلى أنفاق القومية واليسارية، فلم تسعفهم؛ وبدلاً من الاعتراف بالإخفاق راحوا يحسمون المعركة في نفق آخر هو نفق (المجتمع المدني) .