فهرس الكتاب

الصفحة 3362 من 27364

ولا زال أهل هذه الشريحة من المثقفين في بلادنا داخل هذا النفق يتمسكون بما يسميه (بشارة) بتقليعة المجتمع المدني، وهم موقنون تماماً بأن المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني تصطدم تماماً مع قيم المجتمع الإسلامي.

إن المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه المجتمع المدني هو الفرد الجزئي وعليه يصبح المجتمع المدني تركيبة من أعضاء مستقلين لكل منهم نظرة خاصة للأشياء ويعمل أساساً من أجل غاياته الخاصة، وينظم الإنسان حياته في المجتمع المدني ليس على الروابط العائلية وقدسية البنى الاجتماعية وإنما على المصالح الخاصة، أي على كسر علاقات التعاطف وأصل العائلة، فتكون النتيجة هي قيام مصالح جزئية متنافرة ليس بينها لغة مشتركة [13] . ويسوِّغ دعاة المجتمع المدني ذلك بالقول: بأن الجزئي هو نفسه الكلي وأن المصلحة الذاتية للفرد هي نفسها مبدأ مشترك يصهر الناس جميعاً في بوتقة واحدة [14] .

ومن أهم مقومات المجتمع المدني مبدأ الحرية الفردية والمواطنة القومية، ويتضمن مفهوم المواطنة القضاء على كل الانتماءات القديمة دينية كانت أم غير ذلك، كما يتأسس على حق المواطنة حرية المعتقد، وفصل الدين عن الدولة، وحرية الرأي والتعبير مهما كان مخالفاً لانتماءات غالبية الناس العقدية؛ فعلى كل إنسان أن يسوي أموره مع (الله) بطريقته الخاصة. وفي هذا المجتمع تختفي مفاهيم الفرد المؤمن، وغير المؤمن والرجل والمرأة، والحر والعبد، وتستبدل جميعها بمفهوم الفرد المواطن [15] .

أما العلمانية فهي مفهوم لا ينفصل كلية عن المجتمع المدني؛ بحيث يصعب الحديث جدياً عن قضايا المجتمع المدني دون تناول العلمانية ليس باعتبارها جزءاً من منظومات المفاهيم التي تشكل حقل هذا المجتمع المدني وفضاءه، بل لأنها تشكل الجذر الذي تنحدر تحته كل القضايا المرتبطة به [16] . ويقر العلمانيون بأن العلمانية في بلادنا لا تمتلك ولا تستهدف بناء مشروعها الخاص بقدر ما تعبر عن رفض ما يسمونه بالتصور السلفي الديني، وعن الارتباط الوثيق بين المجتمع المدني والعلمانية. يقول محمد كامل الخطيب: « فالعلمانية تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى سبيلاً مفتوحاً، وربما جيداً لإنقاذ المجتمع العربي من تفتته وتخلفه وربما تبعيته سواء للماضي أو للحاضر الأمريكي الأوروبي، والمجتمع المدني هو القادر على أن يكون متماسكاً وعادلاً، وفي هذا تعلن العلمانية أنها لم تخفق؛ لأن في إخفاقها الموت الحضاري وربما الوجودي لهذا المجتمع، ولأن في إخفاقها العودة إلى مجتمع الملل والطوائف » كما يرتبط مفهوم المجتمع المدني بمفهوم الديمقراطية التي لا انفصال بينها وبين العلمانية في المجتمع المدني؛ بحيث لا يمكن الدفاع عن الديمقراطية كما يقول كمال عبد اللطيف بدون الدفاع عن العلمانية، وكما يقول ناصيف نصار: « الدفاع عن الفلسفة الديمقراطية يكون دفاعاً ناقصاً أو مبتوراً إذا أسقط من الحساب قضية العلمانية » [17] ؛ فالديمقراطية تقوم على مبدأ السلطة التعاقدية وتقول بالاختيار العلماني. وتبين مقولة صريحة لعزيز العظمة كيف نستغل الديمقراطية لنبذ الدين يقول العظمة: « إنه لا امتلاك لأسس الديمقراطية إلا بانفكاك الفكر والحياة عن الارتهان للمطلق، والتخلي عن محاولات إدغام المستقبل بالماضي، وترجمة مبادئ ومفاهيم الحاضر المعاصر إلى لغة تنتمي إلى سياق تاريخي تام الاختلاف » [18] .

يرى العلمانيون أن التمسك بالعقيدة (تعصب) يؤثر سلبياً على العلاقات داخل المجتمع المدني الذي يفترض التعدد والتنوع وحتى الاختلاف في مقوماته، ويقولون: « التعصب في جوهره نفي للآخر وإقصاء لرأيه وصوته، وتمركز حول العقيدة أو الأيديولوجيا والذات يمنع صاحبه من امتلاك أي تصور من الحقيقة يقع خارجه، وهو يفترض أحادية الحقيقة والانفراد بامتلاكها، كما يفترض تقديم إجابات جاهزة على الأسئلة المطروحة والإشكاليات القائمة. والتعصب بهذا المعنى يقتل الحافز للبحث والتفتيش عن إجابات جديدة أو حتى لصياغة الأسئلة القديمة بأشكال مبتكرة، أي أنه يساهم في تكريس السائد والمعروف والتقليدي، ويصادر على المختلف والمغيب والمبتكر » [19] . وهذه العبارات تشير بشكل أو بآخر إلى رفضهم التمسك بالعقيدة؛ لأن هذا التمسك الذي يسمونه (تعصباً) لن يسمح بأي اختراق لتصوراتهم وأفكارهم التي من شأنها التأثير على البناء العقدي للمجتمع.

وكما لا تنفصل العلمانية عن الديمقراطية في المجتمع المدني فإنها لا تنفصل كذلك عن (العقلانية) ؛ فجميع هذه المفاهيم دروع مهمتها الأساسية الحيلولة دون اختراق العقيدة لبناء المجتمع المدني الجديد. وعن العقلانية وارتباطها بالمجتمع المدني ومقاومتهما للعقيدة يقول دعاة المجتمع المدني إن العقلانية هي: « تحرير العقل من المسبقات والأوهام والمطلق؛ فالعلمانية إذ تقيم سلطة العقل إنما تعلن نسبية الحقيقة وتاريخيتها وتغيرها، بل وإمكانات تجاوزها لفتح آفاق وإمكانيات للمعرفة الموضوعية عبر الانتقال من الأيديولوجيا إلى العلم ومن التبرير إلى التفسير » [20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت