لقد شهد العالم كيف خلت - ولم تكن من قبل كذلك - خزينة المالية الفلسطينية قبيل تسليمها للحكومة المنتخبة بفواق ناقة ، وكأنَّ أموال الأمة وأرزاق الناس ، ومستحقات اليتامى محلّ عبث سياسي .. والإمعان في الحصار بمنع البنوك من التعامل مع الحكومة المنتخبة - التي حصلت على أصوات لم يحصل على مثلها المرشحون في أعرق الأحزاب السياسية الغربية - بعيد إعلان النتائج .
ثم رأى العالم بالصوت والصورة كيف يُجلب قوت الشعب للشعب تهريبا ، عبر منفذ بري حدودي وحيد بين غزة ومصر ، في معاطف وزراءَ في حكومة شرعية !
إنَّ هذا الظلم والجور والتعامل غير الحضاري - ذاته - ذكرني رسالة أبي العباس ابن تيمية رحمه الله إلى ملك قبرص التي يطالبه فيها بإطلاق سراح أسرى المسلمين ، ويحذره فيها من عقوبة الظلم وسنة الله في الظالمين دولا وأفرادا .
5)ظنّ الخصوم أنّ الأمة هزمت واستسلمت ، ولكن الوهم تبدّد ، ولنا في التاريخ معتبر ، فلقد تيقنوا فيما بعد أنَّها لم تمت وإنَّما كانت مسترخية ، وربما كان منها من أخذته سِنة من النوم ، تحت شعارات القومية العربية الزائفة ، والشعارات الثورية الفارغة ، في ظاهرة صوتية لخصتها للجيل الذي لم يشهدها ، تصريحات وزير الإعلام العراقي الذي غطّى غبارُ القصف آثار أقدامه قبل أن يغادر بغداد هاربا و هو يتحدّث عن الصدّ والصمود إلى آخر نطفة دم ..
لقد رُكِلَت الأمة عام النكسة ، فاستيقظت وصحت ، واكتشفت سرّ هزيمتها الحديثة ثم سرّ نصرها القديم الذي قامت عليه دولتها الأولى وما تلاها من دول الإسلام ، وحتى هذه الأحقاب المتأخرة التي تحالف فيها الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ، في دليل مادي ملموس على سبب النصر الإلهي ؛ ولعلّ هذا سرَّ التضايق من الصحوة ، ومن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومن قبلهما ابن تيمية إيَّاه - رحمهم الله - وكأنَّ ظَلَمَة الإفرنج ومساندي المغتصب ، يستشرفون آثار تراث هؤلاء القادة وتجربتهم في مستقبل القضية .. إنَّ ظلمة الإفرنج ومن خُدِع بهم أو وافقهم من بني جلدتنا ، يريدون من الأمة أن تموت لا أن تغرق في النوم فقط ؛ ليسرحوا ويمرحوا خارج وحي الله ، في ليبرالية مخزية ، لا تعرف دينا ولو كان الإسلام ، ولا ثابتا ولو كان عقيدة التوحيد ، ولا أصلاً يقينياً منصوصا ولو كان الولاء في أواسط الحجرات والبراء في أواخر المجادِلة .
وما علم هؤلاء أنَّ من النّوم نوماً كهفياً يصحو فيه المضطهدون على زغاريد النصر ومباهج الاحتفاء .
6)إنَّ من المؤسف أن نرى التطبيع الإعلامي في إعلام العرب والمسلمين يسابق التطبيع السياسي في ظل أجواء لا تسمح لذي حياء أن يتكلم . ولكن يا ترى ماذا يستطيع أن يقول دعاة التطبيع ( الصلح الدائم الذي يتم بمقتضاه الدخول في جملة من الاتفاقات متنوعة الجوانب بما في ذلك الجانب الثقافي والاقتصادي والأمني وغيرها ) مع هذا الكيان الصهيوني الغاصب المحتل ، الذي لم يحترم شيخا ولم يرحم طفلا ، ولم يقدر - ولو إنسانيا - وضع امرأة حامل ! ليضعها وجنينها في عنابر قذرة ، خلف قضبان ظالمة ، ومعاملة جائرة .. ما الذي يمكنهم قوله ، ولِمَ صَمَت بعضهم عن الحديث في الحدث ، وانكفأ بعضهم على إثارة قضايا داخلية محسومة شرعا ونظاما ، وفعل بعضهم الأسوأ بما تقدم ذكره ..
7)وهنا لا يفوتني أن أهمس في آذان المخلصين من الدعاة والكتاب بأنَّنا يجب أن ندرك الفرق بين الصلح مع اليهود في فلسطين بالمعنى القانوني الدولي ، وبين ما قد يضطر إليه الإخوة في الحكومة الفلسطينية الحالية من الدخول في مفاوضات والوصول إلى اتفاق هدنة سواء كان ذلك في العاجل أو الآجل ، فلنفترض أنَّ الإخوة في القيادة الفلسطينية الحالية - وهم ما بين علماء و طلبة علم أو رادّون إليهم - سلكوا هذا المسلك ، فهل يسوغ التثريب عليهم ، فضلا عن تخوينهم والنيل منهم ؟ كلّا فثمة فرق بين مسألة الصلح الدائم الذي أجمع العلماء على منعه ـ العلماء السابقون ـ ، واتفق على تجريمه في قضية فلسطين العلماء المعاصرون ، وبين عقد هدنة مؤقتة أو مطلقة في نظر مصلحي ممن يملك آلة الاجتهاد وتقدير المصلحة المرعية في الشرع .
وبسبب الخلط في فهم هذه المسألة ، غلط بعض الناس على شيخنا العلامة / عبد العزيز بن باز - رحمه الله - حين نسبوا إليه جواز الصلح مع اليهود بالمفهوم العرفي الدولي (الصلح المؤبّد) مع أنَّه قد أوضح ما عناه وبيّنه بقوله:"الصلح بين ولي أمر المسلمين في فلسطين وبين اليهود لا يقتضي تمليك اليهود لما تحت أيديهم تمليكا أبديا ، وإنما يقتضي ذلك تمليكهم تمليكا مؤقتا حتى تنتهي الهدنة المؤقتة ، أو يقوى المسلمون على إبعادهم عن ديار المسلمين بالقوة في الهدنة المطلقة ." ( مجلة البحوث الإسلامية: العدد(48) ص: 130-132 ) .
8)قد يصاب بعض الناس من أهل الغيرة والحمية ، وخاصة الشباب بنوع من الإحباط أو اليأس وهم يشهدون هذا الحدث وأمثاله ، وحق لهم أن يتألموا .. ولكن ربما تصرف بعضهم تصرفاتٍ غير مشروعة ، لا يرجعون فيها لعالم معتبر ، ولا سياسي حاذق .