فهرس الكتاب

الصفحة 24326 من 27364

هل العلاقة بالضرورة هي تناحرية؟ هل لا يمكن حلها إلا على حساب الآخر؟ هل هي لعبة صفرية لا بد فيها من خاسر ومنتصر فقط؟ هل تؤدي الهيمنة الاقتصادية حتمًا إلى هيمنة ثقافية؟ هل هناك قيم قائمة بحد ذاتها؟ هل هناك قيم أبدية خاصة بكل الحضارات أم فقط بالبعض منها؟ هل يقف الآخر من هذه القيم نفس الموقف؟ هل هناك قيم تتمتع بنفس الأهمية على خلاف الحضارات والمراحل التاريخية؟ من يحدد ما هي القيم"المشتركة"التي يجب الحفاظ عليها؟

الجواب على كل هذه الأسئلة مرتبط بتعريف الهوية وبحملات التضليل والدعاية بأشكالها المختلفة، وهدف كل الصراعات الحضارية هو في الأخير الهيمنة الفكرية والهيمنة في مجال تحديد الهوية، ومن يستطيع أو يعتقد أنه يستطيع أن يحدد ما هو مرغوب فيه وما هو غير مرغوب فيه حضاريًّا.

وقبل مناقشة القيم المختلفة والاختلافات أو التباينات يجب أن نتفق على الحد الأدنى من القيم المشتركة. ما هي هذه القيم إن وجدت؟ وفي هذا المجال نعاني كلنا من مرض التضليل الذاتي أي مرض التخيل، تخيل أو وهم أننا نحن الذين نمثل القيم الصحيحة والحميدة وقيم الآخرين هي أقل قيمة أو تعود إلى مراحل تاريخية قد اندثرت. وإلى الآن لا نعرف الدواء الذي يضمن الشفاء التام من هذا الوهم. لكن في الوقت نفسه يجب أن نفهم أن هذا المرض بالذات هو الضمان لاستمرار قيمنا والشرط الأساسي لوجود التعددية الحضارية والثقافية. ولا يمكن أن أتصور أن العالم كله يتبنى القيم نفسها ويأكل الأكل نفسه... وإلخ؛ وذلك لإيماني بتعدد الحضارات. إن"التعارف"-وبحق- هو الوجه الآخر لعملية"التدافع"، والعلاقة بين الحضارات هي علاقة جدلية مركبة.

ودواء الاستعلاء ووسيلة الخروج من هذا التضليل الذاتي في: الاستماع إلى آراء الآخرين وما يقولونه عنا، وهي وسيلة ناجحة للغاية لو أردنا أن نصغي للآخرين. بل يمكن القول بأن الآخرين يعرفوننا أحسن مما نعرف أنفسنا في الكثير من المجالات، وإننا قد نكتشف في مرآة الآخر بعض الحقائق التي لم نكن نعرفها عن أنفسنا. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أننا نحن الذين نعرف الآخرين معرفة أدق منهم بصورة مطلقة. وهذا يستلزم أن ينشغل البحث العلمي بتحليل موقف الآخرين منا وما يعرفون عنا ومدى تغيّر هذه المواقف.

لا يصلح التواصل إذا صرنا القاضي والحَكَم ومن يحدد قواعد اللعبة، بل الاعتراف بالآخر يتطلب الاعتراف بحقه في المشاركة في تحديد القواعد من البداية واختيار الأسئلة التي يمكن أن تطرح والتي يجب أن تناقش.

ومشاكل الهوية لا تنشأ كمشاكل مجردة؛ ولذلك لا يمكن معالجتها معالجة مجردة بل هي عادة مرتبطة بمشاكل عملية ملموسة تعود إلى تحولات عميقة أو طارئة في الحياة العامة والخاصة. ويجب أن نتساءل: هل نحاول أن نحارب هذه التحولات العميقة أو الطارئة؟ بل هل نستطيع فعليًّا محاربتها؟ أم يحسن بنا معالجة المشاكل الناجمة عنها؟

لذلك يجب الإجابة على الأسئلة التالية:

-ما هي الأسباب التي تهدد التواصل بين الحضارات بالانقطاع؟

-ما هي مشاكل الهوية الحقيقية أو الوهمية المرتبطة بها؟

-ما هي الظروف التاريخية والدينية والاجتماعية الموضوعية المرتبطة بها؟

كيف نحل النزاعات المزمنة؟

أهم الأسئلة في الحقيقة هي:

ما العمل؟ وكيف نعالج انقطاع التواصل الموجود؟ وكيف نحل النزاعات المزمنة؟

إن الباحثين مولعون بالنظريات ويفتقدون أحياناً الشعور بالمشاكل الواقعية القائمة. وفي المقابل فإن الناس العاديين يتصرفون في حدود الخبرة المتاحة وفي ضوء معرفتهم بطبيعة الطرف الآخر، وهم يجيدون أحيانًا ما لا يجيده الباحثون. ولذلك يجب تشجيع الاتصال بمن خارج البرج العاجي، أي بالقيادات المجتمعية ورجال الدين والفنانين والكتاب والمثقفين وكل من يستطيع تقديم الحلول المنشودة والقابلة للتطبيق.

صراع من طرف واحد

إن الهدف في مجال التواصل بين الحضارات يجب أن يكون أولاً الحفاظ على التواصل الحضاري القائم أو الوقاية من لحظة انقطاع التواصل القائم، وثانياً تطويره في اتجاه تصحيح الأخطاء وخلق المناخ الملائم للتقريب بين أبناء الحضارات المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت