فهرس الكتاب
إن أطروحة صراع أو صِدَام الحضارات التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة إنما هي في رأي البعض بالعالم الإسلامي جزء من الدعاية الغربية لفرض حضارتها على الشعوب الأخرى، وبالتالي الهيمنة على العالم ومحاولة رخيصة -لا بل غبية- لتمرير هذه التصورات، حيث إنه سرعان ما يتضح للقارئ الحصيف أن كتاب هنتنجتون وما يحتويه -إن صرفنا النظر عن عنوانه- لا يتعدى كونه دراسة تحليلية لثمانية أجزاء مختلفة من العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، ولم يتطرق هنتنجتون فيه إلى جوهر الحضارة ولا حتى بالقدر الذي يوحي به عنوان الكتاب. فإن كان الكاتب جادًّا فعلاً في تحليل صراع الحضارات لكان عليه أولاً أن يبدأ بتحليل حضارته أو تلك الثقافة التي ينتمي إليها ويدعو لقيمها. غير أننا لا نُنكر على هنتنجتون نجاحه في إصدار هذا الكتاب؛ حيث إن نجاحه لا يعود إلى مضمون الكتاب بل إلى الترويج لفكرة أسماها صراع الحضارات والتي أصبحت حديث المقاهي.
إن أطراف أي صراع حقيقي لا بد أن تكون متكافئة ليس حضاريًّا فحسب بل أيضاً اقتصاديًّا وعسكريًّا، وأن تكون الرغبة في التصارع متبادلة وتمثل إرادة الطرفين.
وانطلاقاً من هذا ربما نتفق مع هنتنجتون في أن هناك فعلاً صراعا حضاريا، غير أن هذا الصراع ينطلق من طرف واحد وهو الحضارة الغربية التي تسعى لفرض نفسها بصفتها الحضارة البديلة أو المختارة أو الأرقى التي ينبغي فرضها على الشعوب الأخرى. ومن هنا يحق للعالم الإسلامي أن يسأل تحديداً عن نوع أو نمط الحضارة التي يريد الغرب فرضها عليه. هل هي حضارة حقوق الإنسان والتجارة المتكافئة والتبادل الحضاري واحترام سيادة الدول؟ أم حضارة اجتياح السلع الاستهلاكية الغربية للأسواق ودعم النظم المستبدة ما دامت موالية للغرب وتحقق المخطط الإستراتيجي للدول الكبرى.. حضارة صعود الجسد وجراحات التجميل وماكدونالدز والكوكا كولا؟
إنه لمن المسلم به -في رأي الكثير من مفكري العالم الإسلامي وغير الإسلامي- أن انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية قد حفز الغرب إلى البحث عن عدو جديد يتناسب مع مقاييسه ومواصفاته. وإذا ما نظرنا إلى الخريطة السياسية للعالم العربي والإسلامي لأدركنا مدى المشاكل الجمة والشائكة التي تعاني منها هذه الدول، وبالتالي تنامي الحركات الإسلامية الباحثة عن بديل نتيجة خيبة أمل شعوب هذه الدول ويأسها من الأنظمة القائمة في تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية والديمقراطية، كل هذه الأسباب والعوامل مجتمعة جعلت من الإسلام المرشح الأول لوضعه في الإطار الذي رسمه له الغرب.
إننا نرى أن أي شكل من أشكال الديمقراطية والقيم المرتبطة بها التي تُفرض من خارج الحدود إنما تؤدي بالتالي وبصورة حتمية إلى انتقاص في السيادة الوطنية لتلك الدولة ومصادرة قرارها السياسي، وأنا على يقين من أن العالم العربي على أتم الوعي بهذه الحقيقة؛ لذا فقد آن الأوان للتصدي لهذه المشكلة بإطلاق الحريات السياسية تدريجيًّا وإشاعة الحد الأدنى من الديمقراطية، ولا يشترط في هذه الديمقراطية أن تسترشد بنفس القيم ونفس الآليات الموجودة في الديمقراطية الغربية، بل يجب أن تراعي الظروف المحلية الخاصة ومنظومة القيم الأخلاقية والدينية، وما يقدمه الدين الإسلامي من مقدمات وأنظمة وحلول للمعضلات المختلفة التي يواجهها المجتمع. إن تم ذلك فسيشكل -وبحق- مصدر قوة لهذه الأنظمة، وليس مصدر ضعف أو خطر كما يتصور البعض أحيانًا؛ وبالتالي يتم إسقاط كافة الحجج والذرائع وسحْب البساط من تحت أقدام المتباكين على واقع الديمقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي.
هل يريد الغرب ديمقراطية إسلامية حقا؟
وهنا يطرح السؤال نفسه حول مصداقية تباكي الغرب على غياب الديمقراطية في البلدان العربية؟ فهل هو جاد فعلاً في تطبيق مبادئ الديمقراطية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ أم فقط السماح بذلك القدر من الديمقراطية الذي يضمن للغرب تحقيق مصالحه الاقتصادية وضمان تدفق البترول بالشروط والأسعار التي يحددها هو نفسه؟
إن الصراع القائم فعلاً حاليًّا والذي نشهد تطوره كل يوم هو في جوهره ليس صراع حضارات أو أديان أو ما شاكل ذلك بل هو في آخر المطاف صراع المصالح الاقتصادية والإستراتيجية، وأيضاً -كما في العراق- صراع السيطرة على منابع البترول. فمصادر البترول التي كان يعتمد عليها الغرب لم تعد مضمونة، والبحوث العلمية الخاصة بإيجاد مصادر بديلة ومتجددة للطاقة ما زالت في بداية الطريق، والتوصل إلى نتائج إيجابية في هذا الصدد ذات جدوى اقتصادية قد يستغرق عقودًا، كما أن مصادر البترول في الشرق الأوسط أصبحت غير مأمونة الجانب سياسيًّا. وبما أن البترول يشكل شريان الحياة بالنسبة للغرب كان لا بد له إذن من التحرك لضمان مصادر بترولية آمنة يُعتمد عليها حتى أن اقتضى الأمر شن الحروب وإسقاط الأنظمة سواء تحت ستار تحرير الشعوب من الدكتاتورية أو -كما يرى البعض- تجريد الشعوب من ثرواتها.