فهرس الكتاب

الصفحة 24328 من 27364

إن حل مشاكل التواصل بين الحضارات لا يمكن أن يتحقق إلا بتكامل الوسائل والأدوات، والحلول التي لا تُتَنَاول إلا على جانب واحد مثل الجانب الديني أو الإثني أو الاقتصادي هي في آخر المطاف حلول جزئية وغالباً ما تبوء بالفشل.

إننا نحتاج إلى حلول تعتمد على تضافر مختلف فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية والتعاون بينها، والمعنيون في هذا الأمر هم الفلاسفة واللغويون وأصحاب الدراسات الثقافية والسياسية والتاريخية والدينية والقانونية والاقتصادية (قبل خبراء السوق المصرفية والشبكات المعلوماتية) والذين يجب أن يعملوا بصدق على تحليل كل ما يحيط بالتواصل بين الحضارات ومشاكله والحواجز التي تعيق تقدمه نحو تعاون حضاري طويل الأجل بعيدًا عن الحسابات الاقتصادية قصيرة الأجل التي تواجه مخاطر جمة نتيجة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي على أي حال، ما استمرت الأوضاع الداخلية والتوازنات الإقليمية والدولية على ما هي عليه.

ويجدر بي في الختام الإشارة إلى تحدٍّ قد يبدو فرعيا وبسيطا، لكنه يمثل تهديداً لأي جهد مخلص في هذا المجال. إن من يبحث في هذا الإطار قد يعاني بسرعة من ضغوط معينة من النخب المستفيدة من هذا الاستقطاب في الرؤى، سواء النخب الأكاديمية والفكرية أم السياسية والاقتصادية، ففي صفوف كلا الطرفين من لا يريد التفاهم والوفاق بل يحارب كل المحاولات في هذا الاتجاه. والفرد عادة لا يستطيع أن يقاوم هذه الضغط المزدوج: أترابه يشككون فيه، وقد يتهم بالخيانة بل والعمالة (جيمس بيسكاتوري وجون أسبوزيتو في الولايات المتحدة اتهمهما البعض بالعمالة لجماعات المقاومة الإسلامية لمواقفهم المعتدلة، وجالاواي النائب البريطاني لحزب العمال الذي نشط ضد الحرب في العراق يتهم الآن بالعمالة لنظام صدام حسين) ، أما الطرف الآخر من الحوار فعادة لا يميز بين أطياف الطرف الغربي، ولا يرى في الجميع إلا أعداء للعرب والمسلمين. وقد تكون الجامعات هي المؤسسات الأقل تأثرًا بهذه الضغوط؛ لأنها ليست مؤسسات يجوز فيها منع التفكير والتعبير، ويجب ضمان حرية البحث العلمي فيها، لكن هذا لا يحدث دائمًا.

والاستنتاج من هذا هو ضرورة وجود نوعين من التواصل: أولاً التواصل في إطار الحضارة الواحدة، وثانيًا التواصل بين الحضارات المختلفة.

ونعرف أن التواصل في الحضارة الواحدة أو التواصل الداخلي يمكن أن ينقطع، وهذه الحالة تؤثر بالتالي سلبًا على التواصل بين الحضارات.

ويبدو لي أن التواصل الداخلي انقطع في أكثر من حضارة. فكيف نستطيع أن نحقق التواصل بين الحضارات دون الوفاق أو الوحدة الداخلية في تعريف القيم لكل كيان حضاري؟ وهل يمكن مناقشة تباين القيم مع الحضارات الأخرى إلا بعد الاتفاق على تحديد القيم المميزة لكل منظومة حضارية. وما هي قيم الغرب؟ وما هي قيم الشرق؟ وهل تسميات"الغرب"و"الشرق"ابتداءً تسميات صحيحة؟ أم أنها بدلاً من أن تكون محض أوصاف جغرافية ومكانية تحولت بحد ذاتها لأيقونات ولأحكام قيمية على الجانبين تشكك في إمكانية المشترك الإنساني؟! من هنا فلنبدأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت