ولقد شاهدنا في الفترة الأخيرة إحدى المجلات الشيوعية ترد على سلسلة مقالات لكاتب ومفكر إسلامي موضوعي فند فيها أفكار العلمانيين، باتهام الكاتب أنه «يزيف العلمانية» أي يتهم العلمانية، وينسب إليها ما ليس فيها على حد زعم المجلة وهذه هي فائدة أسلوب الأقنعة والتنكر، لأنه يمكن العلمانيين عند الرد الموضوعي والداحض والمفند لأفكارهم أن يتنصلوا منها بزعم أنهم إنما ليسوا سوى دعاة العقل والفكر والحرية والاستنارة والتقدم وما أشبه ذلك من المصطلحات والألفاظ العامة التي يطلقونها دونما تحديد اجتلاباً للأذهان، لكنهم يحددونها في الوقت الملائم وبالمعنى والمضمون الذي يختارونه ويكون أكثر المضامين فعالية وأثراً في وضع ومقام معين.
مزاعم علماني متفلسف:
وفي هذا الصدد مثلاً ونحن نشير إلى أقنعة العلمانية واستخدامها التقنع والتنكر لأغراض مرحلية تتعلق بالرغبة في الانتشار والترويج واستمالة الأذهان وتجنب المواجهة المباشرة، أشير إلى واحد من أحدث هذه الأقنعة وربما كان من أطرفها، فقد عرف أستاذ جامعي مصري للفلسفة وهو غير مسلم اشتهر بهجومه على الإسلاميين منذ عقد الستينات العلمانية بقوله: إنها تعني التفكير في الأمور البشرية النسبية والمتغيرة بطبيعتها من خلال فكر نسبي ومتغير، والابتعاد عن «المطلق» عند التفكير في هذه الأمور البشرية وتدبيرها وإدارتها، وهذا التعريف المبتكر للعلمانية يبدو مختلفاً تماماً وبعيداً كل البعد عن تعريفها التقليدي بأنها فصل الدين عن الحكم والدولة والمجتمع، لكنه بعد تحليله يصل إلى نفس الهدف وراء سحابة المصطلحات الفلسفية عن المطلق والمتغير والنسبي.
فصاحب هذا التعريف يصف العلمانية بأنها التفكير في الشؤون البشرية ذات الطابع النسبي والمتغير بأساليب وأفكار مماثلة لها من حيث النسبية والتغير لكنه من المعروف أن المذاهب العلمانية المتنوعة وبالذات في المجالات «المتغيرة والنسبية» كالسياسة والاقتصاد وقضايا المجتمع، اتسمت بأشد درجات الإطلاق والجمود والصلابة وعدم التغير بحيث كانت تضع نفسها في شكل دساتير وقوانين صارمة ثابتة تهيمن على حركة المجتمعات التي طبقت فيها وتعيد صياغتها بشكل كلي وشامل بحيث تتسق هذه المجتمعات مع تلك الأفكار النظرية المجردة، ولو كلف الأمر ملايين الضحايا البشرية ومحن واضطرابات تستمر عشرات السنين.
وليست التجربة الشيوعية فيما كان يعرف بالكتلة الشرقية الأوروبية عنا ببعيد، فالمذاهب العلمانية نفسها، وهي من وضع البشر لم تكن ترى في نفسها أنها أفكار متغيرة ونسبية جاءت لتحكم شؤون بشرية متغيرة ونسبية، بل على العكس فقد انتحلت لنفسها بالضبط ما تدعي العلمانية أن الأديان قد اتصفت به ألا وهو الطابع المطلق الشمولي الجامد المستعصي على التغير، وينطبق هذا حتى على تلك المذاهب العلمانية التي ادعت «الليبرالية» أو التحرر، إذ لم تخلوا هذه المذاهب من مطلقات مقدسة طرحت على أنها ثابتة ثبوت الدهور، وغير متغيرة مع تغير الظروف، بل وعلى أنها هي التي تحكم وتضبط وتوجه التغيرات وتهيمن عليها لا تواكبها ولا تسايرها ولا تتغير معها، وهذه المقدسات معروفة حتى الآن في الحرية الاقتصادية ونظام التمثيل البرلماني، وأفكار المساواة المطلقة والفردية، وأشهر مطلق من مطلقات الليبرالية بل ومن مطلقات الفكر العلماني نفسه هو مطلق فصل الدين عن الدولة.
وللماركسية والاشتراكية مطلقاتها الخاصة كما لسائر المذاهب والفلسفات العلمانية، بل إنهم يتبادلون الهجوم فيما بينهم بالإشارة إلى الطابع المطلق لكل منهم الذي يستعصي على التغيير والنسبية، ويقاومهما ويصر لنفسه على احتكار الحق المطلق حتى في أدق الأمور الاجتماعية والاقتصادية وأكثرها عرضة لمجريات التغير والتبدل.
العلمانية والمطلق والنسبي:
العلمانية إذن لم تكن أبداً إدارة أو تفكيرفي شؤون البشر المتغيرة والنسبية بأفكار وأساليب تشاكلها، بل على العكس كانت تتمثل في استبدال مطلق جديد (هو العلمانية) لمطلق قديم هو (المسيحية الغربية) ، وما رافقها من أفكار ومذاهب سياسية واقتصادية وثقافية، ثم إن المذاهب العلمانية لم تنظر لنفسها على أنها مجرد تعبيرات ملائمة عن أوضاع نسبية ومتغيرة، تتغير وتتبدل وتمضي مع ذهاب هذه الأوضاع، بل على العكس اعتبرت نفسها مبادئ وخطوط عمل وإرشاد وتوجيه حاكمة وعامة، توجه وتقود وتشكل هذه الأوضاع، بل وتحكم كيفية ومسار تغييرها إلى أبد الآبدين، أو إلى الوصول إلى الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ كما في الماركسية والليبرالية.