فبين سبحانه اختلاف كل جنس منهما عن الآخر ، فسمى أحدهما ذكرا ، وسمى الآخر أنثى، ولو كانا واحدا لما سماهما زوجين ، ولما أفرد كل واحد منهما بوصف يختص به، وأخبر سبحانه أن كل جنس منهما يكمل الجنس الآخر ، وهو محتاج إليه، ولا تكتمل سعادته إلا به كما قال عز وجل: (( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) ) (البقرة: 187) .
وقال سبحانه: (( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) ) (الأعراف: 189) .
وفي آية أخرى: (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ) (الروم: 21) .
ولو كانا متماثلين لما احتاج أحدهما إلى الآخر ، ولجاز أن يستقل بنفسه عن زوجه، بل إن من دلائل توحيد الله تعالى أن كل شيء خلقه الله تعالى فهو محتاج إلى زوجه كما قال سبحانه: (( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ) (الذاريات: 49) .
فلا أحدا صمدا يحتاج الخلق إليه وهو غني عنهم إلا الله تعالى.
ولا أدل على هذا التفريق بين الذكر والأنثى من النص على ذلك صراحة في القرآن العظيم؛ إذ حكى الله تعالى عن امرأة عمران أنها قالت: (( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ) ) (آل عمران: 36) . .
وأقرها الله تعالى على مقولتها تلك ، ولم ينكرها منها ، أو يعقب عليها.
وجاءت شرائع الله تعالى في كتابه العزيز ، وعلى لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، موافقة لهذه الحقيقة التي دل عليها الوحي والعقل والفطرة والحس ؛ فثمة أحكام يشترك فيها الجنسان وهي أغلب شرائع الإسلام ، وأحكام يختص بها جنس دون الآخر، كاختصاص الرجال بالجهاد والجمع والجماعات، واختصاص النساء بالرضاعة والحضانة، ولم يسو الله تعالى بينهما في الميراث والنفقة ولا في الولاية والقوامة: (( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) ) ( النساء: 11) . (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) ) ( النساء: 34) . (( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) ) ( البقرة: 228) .
والرجل ينفق على المرأة أمًا كانت أم زوجة أم بنتا، ولو كان أفقر الناس وهي أغناهم.
ولغات البشر على اختلاف بلدانهم وأديانهم وأجناسهم منذ القدم قد ميزت الذكر عن الأنثى ، وخصت كل جنس منهما بخصائص في التسمية والخطاب والضمير والنداء، وعلى هذه الفطرة السوية في التمييز بين هذين الجنسن المختلفين عاش البشر قرونا تباعا إلى أن جاء ملاحدة هذا العصر ببدعة المساواة بين الجنسين، والقضاء على كل أشكال التمييز بينهما مهما كان مصدره، ولو كان قرآنا منزلا من عند الخالق سبحانه وتعالى، أو كان حكما ممن لا ينطق عن الهوى r، ويريدون فرض هذا الضلال على كل البشر بالبطش و القوة ، وأعانهم بعض المتعاونين على الإثم والعدوان من المنافقين والشهوانيين بتسويق هذا الفساد والإلحاد في أوساط المسلمين ، والدعاية الفجة له ، ومخادعة المغرورين به ، وإرهابِ كل من يعارضه أو ينتقده أو يناقشه ، وتهديدِه بقوة الأعداء.
لازم لا بد منه: إن الذين ينادون بالمساواة بين جنس النساء وجنس الرجال من أولاد المسلمين، والقضاء على كل أشكال التمييز بينهما ولو كان مصدر هذا التمييز شريعة الله تعالى يلزمهم أولا أن يلحدوا، وينكروا أن الله تعالى خالق الذكر والأنثى ، على غرار ما يدين به ملاحدة الغرب الذين ابتدعوا نظرية المساواة بين الجنسين ؛ إذ هم ينكرون الخالق جل وعلا، ويجعلون الحياة مادة أوجدتها الصدفة، أو أفرزتها الطبيعة.
فإن كان المسوقون لهذه البدعة النكراء بين المسلمين يؤمنون بأن الله تعالى خالق الذكر والأنثى، فليخضعوا إذا لشريعته ، وليرضوا بحكمه، وليقبلوا تمييزه بين خلقه ، إذ إن من المتقرر عند العقلاء أن الصانع أدرى بصنعته من غيره ، فالخالق كذلك أعلم بخلقه منهم (( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) ) ( النحل: 17) .
(( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ) ( الملك: 14) .
فإن أبو إلا علوا واستكبارا، وأصروا على خطئهم وضلالهم ؛ فليخلقوا خلقا آخر غير خلق الله تعالى، وليعبثوا فيه ما شاءوا ، وليجعلوه جنسين متماثلين لا تمايز بينهما، أما وإنهم لا يستطيعون ذلك ، فليدعوا الخلق للخالق سبحانه يحكم فيه بما شاء، ويميز بينه كيف يشاء فيجعل للذكر ما له وللأنثى ما لها، فلا راد لأمره، ولا معقب لحكمه جل في علاه، وليتركوا للمسلمين دينهم الذي ارتضاه الله تعالى لهم، وما لهم ولأناس قد ارتضوا شريعة الله تعالى فلا يبغون عنها بديلا، وليبحثوا لهم عن بلاد أخرى غير بلاد المسلمين ليسوقوا إلحادهم فيها ؛ كفى الله تعالى العباد والبلاد شرهم، ورد كيدهم إلى نحورهم ، وأذاقهم ذل الدنيا قبل خزي الآخرة، إنه سميع مجيب .