فهرس الكتاب

الصفحة 2303 من 27364

إن هذه الحرب هي استمرار لسابقتها وتطوير لأهدافها، ومحاولة لاستدراك ما لم يمكن تحقيقه من الأهداف السابقة، فهي حلقة من مشروع استعماري صهيوني صليبي جعل وجهته وميدان معركته الساحة الإسلامية العربية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وجعل عدوه البديل هو الصحوة الإسلامية وما تمثله من آمال مستقبلية لشعوب المنطقة في الوحدة والحرية والأصالة، ودفع الهيمنة الاستعمارية الغربية وما تمثله من نقيض للأمة الإسلامية عقدياً وقيمياً وتاريخياً ومصلحياً .

وقبل الحديث عن دوافع أمريكا من هذه الحرب أحب أن أذكّر ببعض البدهيات والحقائق الكبرى؛ حتى لا تُنسى في صخب الأحداث وتفاصيلها اليومية وهي:

1 )أن عداوة اليهود والنصارى للمسلمين من الحقائق الثابتة واللازمة لهم نطق بها الكتاب المستبين، وأثبتها الواقع التاريخي عبر أكثر من ألف وأربعمائة سنة، وهذا الحكم هو الغالب والأعم وتبقى الاستثناءات منه التي تأتي لإثباته لا لنفيه { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } .

2 )أن هذه العداوة لا تبيح لنا أن نظلمهم أو نغمطهم حقهم، ولا تمنعنا من الحوار معهم إما لدعوتهم أو لحل المشكلات الناشئة بيننا وبينهم، أو بالاستفادة مما لديهم من صناعة وتقنية ومدنية، لكن أيضاً يجب ألا يغيب عن بالنا أن الجهاد هو درع الأمة وعدتها التي واجهت بها عدوها في جميع مراحل تاريخها .

3 )أن الأمة ابتليت نتيجة لهيمنة النموذج الغربي عالمياً بفئةٍ من أبنائها يتكلمون بلسانها ويعيشون في داخلها، لكن وجهتهم غير وجهتها وعقائدهم غير عقائدها وقيمهم غير قيمها، وهم شتى طوائف العلمانية من يسار ويمين وقوميين وأمميين وحداثيين وليبراليين وغيرهم من الأصناف والفرق .

وهم ما بين طابور خامس يخدم الآخر عن قناعة واختيار أو تائه ممزق بين فكره التغريبي وعواطفه الوطنية القومية، ونحن في أشد الحاجة للحوار مع هؤلاء ومعالجة مشكلتهم والتعامل مع كل فئة منهم بما يصلح لها.

4 )أن الهجمة من الخطورة والشراسة والضخامة، بحيث لا تستثني أحداً حكومات وحركات وشعوب، إنما هناك أولويات ولذلك يجب أن نتعامل معها على هذا الأساس، وأن نرجئ الثانويات في سبيل مواجهة المشكلات الكبرى.

أما أسباب الهجمة الأمريكية على العراق من وجهة نظري فهي:

1/ لا شك أن القرن الواحد والعشرين هو قرن الصراع على الطاقة البترولية، حيث إن الغرب منذ عام1973م وهو يسعى سعياً حثيثاً لإيجاد بديل للبترول، لكن هذه المساعي لم تحقق نجاحاً يذكر، والقرن الواحد والعشرون -حسب الإحصاءات القائمة الآن- هو القرن الأخير للبترول تقريباً، فمن سيتحكم في هذه الطاقة سيتحكم في العالم، وهيمنة أمريكا على العالم الآن في أوج عظمتها، فهي تتعامل مع جميع دول العالم بمنطق فرعون { ما علمت لكم من إله غيري } ، { وما أريكم إلا ما أرى } .

فهي إذا فرصتها للسيطرة المباشرة على مصادر الطاقة قبل أن تنشأ قوى أخرى تنافسها على ذلك أو لا تسمح لها بالتفرد بالسيطرة مثل أوروبا الموحدة تقودها فرنسا وألمانيا أو الصين في المستقبل، وبالذات لو تم شيء من التفاهم أو التحالف بينها وبين روسيا أو اليابان.

وقد ثبت أن خزان الوقود البترولي الأكبر في العالم يمتد من بحر قزوين عبر أذربيجان وإيران والعراق إلى الخليج، وها هي أمريكا من حرب الخليج الثانية قد سيطرت أو كادت على بترول الخليج، وبعد احتلال أفغانستان وصلت شواطئ بحر فذوين، ولم يبق إلا الاستيلاء على العراق وإيران .

ولأنّ العراق الحلقة الأضعف والعرب الجدار الواطئ والمبررات جاهزة"أسلحة الدمار الشامل"فلتكن البداية بالعراق ولن تكون إيران بعد ذلك بعيدة عن متناول اليد الأمريكية بعد أن تكون قد طوقت من جميع الجهات .

ومن هنا ندرك لماذا هذه المعارضة الشديدة للحرب من ألمانيا وفرنسا اللتين تسعيان جاهدتين لإقامة أوروبا الموحدة بعيداً عن أمريكا، بل ربما يوماً ما في مواجهتها، وهما يدركان ماذا يعني سيطرة أمريكا على احتياطي النفط العالمي في القرن القادم، وبالذات أن الفريق الحاكم في أمريكا يسيطر عليه رجالات النفط ومديرو شركاته الكبرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت