2/ من خلال النفوذ الصهيوني في الإدارة الأمريكية ينظر للحرب على العراق بأنها إنقاذ لإسرائيل من مأزق تعيشه في مواجهة الشعب الفلسطيني المجاهد ، فبعد أن أصبحت إسرائيل في مأزق حقيقي في الانتفاضة الأولى، أُنقذت باتفاقية أوسلو وأُتي بالسلطة الفلسطينية لتكون شريكاً في الولوغ في دم القضية الفلسطينية بعد ذبحها والقضاء عليها، وقمع الشعب الفلسطيني مقابل ثمن زائف ومتاع قليل، وإذا بالمشروع يفشل في يومه الأول، وإذا بالشعب المجاهد الأعزل تتحطم على صخرة إيمانه وصموده كل المؤامرات، وإذا بالنائحة المستأجرة تغادر المأتم غير مأسوف عليها، ويهب الشعب عن بكرة أبيه للدفاع عن الأقصى في مواجهة عنجهية المجرم شارون، وتصبح دماء الشهداء هي السقيا لغراس العزة والحرية، وتصبح منارات المساجد هي الرايات لجحافل النصر والاستقلال بإذن الله، ويصم الشعب أذنيه عن تخذيل المخذلين واحتجاج الخائفين ونعيق العملاء الضالعين في المؤامرة .
وتصبح النبتة الخبيثة"إسرائيل"في مأزق لم تمر به في تاريخها، فبعد أن استنفدت أكثر إمكاناتها العسكرية والأمنية المتوحشة تحت غطاء من العهر السياسي تمارسه فرعون العصر"أمريكا"لإذلال شعب الإباء والعزة والجهاد في فلسطين، أقول بعد ذلك ها هي إسرائيل تعيش أزمة اقتصادية لم تعرف لها سابقة في تاريخها.
ورعباً وخوفاً في المجال الأمني، وصراعاً واستقطاباً في الميدان السياسي، وانهياراً معنوياً في الجيش، وتفككاً واضطراباً اجتماعياً، والأخطر من ذلك كله هجرة معاكسة وتوقف شبه يومي لكثير من مظاهر الحياة، وهروب لنسبة كبيرة من سكان المستوطنات إلى داخل فلسطين 1948 م بحثاً عن الأمن الذي لم يجدوه بل لاحقهم حتى هناك الخوف والموت .
نعم لقد أعطت الأنظمة العربية - مع الأسف- الفرصة لإسرائيل لتعيد تركيع الشعب الثائر، لكنها -والحمد لله- عجزت عن ذلك، وحينئذ فلا بد من عملية جراحية كبرى لإعادة ترتيب المنطقة كلها لإبقاء الأمل في المستقبل اليهودي، ولإشغال شعوب المنطقة بما فيها الشعب الفلسطيني - بقضية أخرى ردحاً من الزمن، تستعيد فيه إسرائيل أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها، وتطبق أمريكا على دول المنطقة سايكس بيكو جديدة وليس هناك من نقطة أنسب للبداية من العراق، فالنظام الحاكم فيه مكروه شعبياً منبوذ إقليمياً محاصر ومتهم عالمياً، ولأكثر من جهة مصلحة في إسقاطه، فليكن هو نقطة البداية لإنقاذ شعب الله المختار مهما كلف ذلك أمريكا أو المنطقة أو العالم، وربما توالت الأحداث لترحيل الفلسطينيين وتقسيم العراق وضرب إيران والسعودية وسوريا وغيرها.
3/ في الحرب تحقيق لبرنامج اليمين المتطرف الذي يحكم أمريكا اليوم، والذي يرى أن أمريكا يجب أن تسيطر على العالم وتحكمه وتفرض عليه القيم الأمريكية بدلاً من قيادتها للعالم وسماحها لقدر من التنوع الحضاري والثقافي والحياتي فيه، وما ما سمي بحرب الإرهاب ولا العولمة ولا حرب العراق وما سيلحق بها إلا تعبير عن هذا التوجه اليميني العنصري المتطرف في السياسة الأمريكية الذي هو أشد عنصرية من النازية والفاشية.
والحرب العراقية تعتبر خطوة في هذا الطريق العنصري الظلامي، وفرصة لسدنة هذه الإيدلوجيا في السياسة الأمريكية لتحقيق طموحاتهم .
4/ لا شك أن الفئة المتنفذة في الحزب الجمهوري في أمريكا من أيام ريجان إلى اليوم هي طائفة"الإنجيليون"إحدى فرق البروتستانت، وأهم عقائد هذه الطائفة ذات الأثر البالغ في حكم أمريكا هي عودة المسيح بعد قيام دولة إسرائيل ومعركة هرمجدون وتدمير أكثر العالم تمهيداً لتلك العودة المزعومة التي ستحكم العالم ألف عام كما يزعمون وهم بهذه الرؤى التوراتية الإنجيلية يقودون قوة أمريكا الغاشمة لتدمير العالم، ولتكن البداية من خلال العراق.
5/ لقد أعلنت أمريكا حرباً عالمية على ما أسمته بالإرهاب، وقادت العالم وراءها رغباً ورهباً على رجل واحد معه بضع مئات من الشباب لم يدخل أحد منهم يوماً كلية عسكرية ولم يقد بارجة حربية، وأعلن رئيس أكبر وأقوى دولة في التاريخ أنه يقود حرباً صليبية عالمية للحصول على أسامة بن لادن حياً أو ميتاً، وها نحن بعد قرابة عامين نرى أسامة ما زال ينازل أمريكا ويهددها في عقر دارها ويضرب حلفاءها، وفي كل يوم تعلن أمريكا لشعبها النذير والتحذير من احتمال ضربة جديدة فيعيش الشعب الأمريكي في الرعب والخوف، أين الأقمار الصناعية والطائرات التي تصور كل شبر في أفغانستان؟ أين أجهزة الاستخبارات الرهيبة التي لا تخفى عليها خافية؟ أين مليارات الدولارات والجيوش الجرارة؟ أليس هذا هو الفشل الذريع بعينه؟
إن الحكومة الأمريكية وآلة الحرب والعنجهية في أشد الحاجة إلى نصر سهل يحفظ ماء الوجه ويعيد لأمريكا هيبتها عالمياً ولحكومتها مصداقيتها لدى الشعب الأمريكي، وفي تقديرهم أن حرباً خاطفة في العراق ستة أيام - كما قال رامسفيلد- كفيلة بتحقيق ذلك كله .
ولعل تقدير رب العالمين غير تقدير الطاغية بوش وزبانيته، فتكون قاصمة الظهر لهم وما ذلك على الله بعزيز.