إن الموقف الأمريكي من الحركات الإسلامية، سواء الجهادية منها أو الدعوية أو الإغاثية أو المؤسسات الخيرية، أو المناهج التعليمية بدا واضحاً بجلاء بعد الحادي عشر من سبتمبر، وأسهمت وسائل الإعلام الغربية في بيان هذا الموقف من خلال الدعوات الصريحة إلى مقاومة هذه الجماعات وتهديم مؤسساتها، ولو أدى الأمر إلى التدخل المباشر في مناطق العالم الإسلامي بحجة الحرب على ( الإرهاب ) الذي رصدت له أمريكا الميزانيات الضخمة وحددت له فترة زمنية تصل إلى عشر سنوات من الحرب الضروس على هذه التوجهات، والتي تدعي بزعمها أنها تشكل خطراً على الأمن العالمي والإنساني .
فمواجهة المد الإسلامي جزء من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ، وهو لا شك يحتاج إلى إفراده بالكتابة لبيان السبل التي أعدتها أمريكا وبدأت في تنفيذها في العالم الإسلامي اليوم .
إن أمريكا ومن خلال حربها على الإرهاب تنظر إلى الحركات الإسلامية على النحو الآتي:
1-الحركات الجهادية التي تستخدم القوة والحرب، تواجه مباشرة بحرب مضادة وقضاء مبرم .. واستئصال .
2-الحركات الإسلامية الدعوية التي تشكل البنية التحتية للحركة الإسلامية المعاصرة بصقورها وحمائمها، تعاملها الاستراتيجية الأمريكية من خلال التحجيم وتجفيف المنابع والحصار الأمني والرصد والتخطيط .
3-المؤسسات الإغاثية الإسلامية الداخليه والخارجية، تسعى الاستراتيجية الأمريكية إلى محاصرتها مادياً، وتجميد أموالها ومنع تدفقها المالي وتصعيب تحركها في الداخل والخارج .
4-أما الدعاة المفكرون والعلماء، فترى أمريكا انهم يشكلون حادي المواجهة مع الغرب من خلال بث الأفكار الإسلامية، وتعميق الولاء للأمة ودينها، وهؤلاء ستتعامل معهم أمريكا بالحرب الإعلامية وتضييق فرص الحضور الإعلامي والتأثير الجماعي على الأمة الإسلامية، ولا تعجب أن أمريكا الآن تحضر لندوات مع علماء العالم الإسلامي لمناقشة الأفكار التي يلقونها على مستمعيهم، والتحكم في المصطلحات الإسلامية وتغيير مدلولاتها بما يتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، حتى وصل الحال إلى مناقشة إعطاء المرأة فرصة لإلقاء خطبة الجمعة، وأن يكون منبر الجمعة منبراً اجتماعياً تطرق فيه مشاكل المجتمع مع مناقشة المصلين للإمام دون انفراده بالإلقاء والآخرون يستمعون إليه !
5-المناهج التعليمية: وهي تشكل بناء أفكار الأمة الإسلامية، وقد تصاعدت النداءات الأمريكية والغربية وخاصة بعد أحداث 11/9 إلى تغييرها، وحذف كل ما يتعلق بعلاقة المسلمين مع الآخرين، وحذف مفهوم ( الجهاد ) من المناهج وصياغتها بصورة تتوافق مع الحياة المعاصرة الغربية .
التدخل الأمريكي .. لإقامة الديمقراطية:
ينظر الغرب عامة، وأمريكا خاصة إلى أن العالم الإسلامي عالم تغيب فيه القيم الإنسانية؛ بسبب وجود أنظمة الحكم المستبدة، وأن الديمقراطية - كما يفهمها الرجل الغربي - غائبة عن الوجود في العالم الإسلامي ، وقد ألَّف (برنارد لويس) كتاباً اعتبر بمثابة البيان الناطق باسم المفكرين الغربيين، تحت شعار ( إقامة الديمقراطية في الشرق الأوسط ) وقد كان الكتاب بعنوان ( ماذا كان الخطأ: التأثير الغربي والتجاوب الشرق أوسطي ) وهو يتحدث عن الفشل الذريع الذي وقع فيه العرب والمسلمون في اللحاق بالحداثة الغربية، وسقطوا في دوامة العنف والحقد والغضب .
في مقابل إعلان الفشل الإسلامي في اللحاق بالحداثة الغربية، فإن ( لويس ) يعتبر أن دولة إسرائيل وتركيا هما الدولتان النموذج في الشرق الأوسط في مقابل التفكك العربي والفوضى العارمة في دول العالم العربي والإسلامي .
هذا التصور عن الشرق الأوسط يعد ذريعة إلى المطالبة الصريحة بالتدخل المباشر في العالم الإسلامي وإقامة الديمقراطية بالقسر، وهذه المطالب لم تكن ردة فعل لما حدث في 11 / 9 وإنما قدمت كمشروعات في زمن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وقد سمي المشروع باسم ( القرن الأمريكي الجديد ) حيث وجهت رسالة إلى الرئيس الأمريكي قي شباط ( فبراير ) 2002 تطالبه باتخاذ ضربة عسكرية وإشعاعية لإطاحة بالنظام العراقي.
ولقد كان من ضمن الموقعين على العريضة كتاب متشددون إضافة إلى برنارد لويس ورامسفيلد وولفوفيتز، وأناس قد وصلوا إلى مناصب قيادية في حكومة الرئيس بوش، أمثال"دوغلاس فايت"مساعد وزير الدفاع ،"وإليوت إبرامز"الذي تسلم مؤخرا منصب المستشار الرئاسي الخاص لشؤون الشرق الأوسط"وزالماي خليل زاده"ورئيس المجلس الاستشاري للدفاع"ريتشارد بيرل"ووزير الخارجية المساعد"ريتشارد بولتن".
العراق ... أولاً:
بدأت هذه الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق والعالم الإسلامي من العراق لتغيير أنماط الحكم، وما يتبعه من تغيير البنية الفكرية والثقافية والاقتصادية في تلك الدول، وبالأخص في دول الخليج العربي، ومما يذكر في هذا الصدد أن ( برنارد لويس ) عمل على إقناع الإدارة الأمريكية إلى تحويل وجهة أولوياتها إلى العراق، وساهم في تصعيد الوضع بين أمريكا والعراق.