إن الأمر الذي رشح العراق لأن يكون نقطة البداية في تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية هي مضاعفات حرب الخليج الثانية، واعتبار العراق خارجاً عن المنظومة الدولية، والضرب على وتر امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، واتخاذ وضع العراق السياسي ذريعة إلى التدخل المباشر لتحطيم هذه الدولة وإحلال نظام ( القرضائي ) يكون وسيلة إلى الضغط السياسي والعسكري على دول المنطقة الإسلامية والعربية كافة !
إن ( برنارد لويس ) وغيره من الساسة والمفكرين الغربيين يرون أن العالم الإسلامي قد وصل إلى درجة من التخلف تستلزم من يرتب لهم أوضاعهم الداخلية والمدنية، وينقلهم إلى واقع يرفعهم عن سلطة الظلمة الفاسدين! وهذا ما سيحدث -على قول لويس وجماعته- بشكل تدريجي ينقل العرب من واقعهم إلى الديمقراطية الغربية .
ويذهب لويس إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن من يعارض التدخل الأمريكي العسكري يرفض الديمقراطية في المنطقة !! وهو بهذا يواصل مسيرته من خدمة بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى خدمة الإمبراطورية الأمريكية الجديدة، آملا في الوصول إلى ما عجزت عنه بريطانيا وفرنسا !
الحرب من أجل النفط !
المطامع الغربية في العالم الإسلامي كثيرة، ومن أهم هذه المطامع هي تربع العالم الإسلامي على احتياطي ضخم من النفط يشكل مادة الحياة الصناعية المعاصرة، وهو لا شك مطمع أمريكي، حيث سيأتي هؤلاء إلى العالم الإسلامي لنهب مكشوف للثروات من نفط ومشتقاته، وغاز وغيره .
إن نشطاء منظمات السلام الغربية، وهم يقومون بمعارضة الحرب المرتقبة على العراق، يرفعون شعارات تحمل مدلولات كبيرة: ( لا لسفك الدماء من أجل النفط ) ، فهم يدركون الهدف الذي تسعى إليه أمريكا من شن الحرب على العراق، ومن ثم على دول المنطقة جميعاً إلا من قَبِل كافة الشروط وأعلن الولاء التام ولم يغرد خارج السرب الليبرالي الغربي، وهو لا شك هدف مستقل وكبير تسعى إليه أمريكا وحلفاؤها .
شن الحرب على العراق ستكمل (طوق النفط) كله، وسيجعل إيران في موقف صعب، وسينسحب هذا الوضع ليمتد من دول الخليج إلى بحر قزوين وآسيا الوسطى وأفغانستان، وهذا يتوافق مع وضع إيران في ( محور الشر ) الذي تصورته أمريكا واستهدفته في حربها الاستراتيجية القائمة !
هذا الوضع الأمني للنفط سيصنع سياسة نفطية جديدة، تقوم على إفقاد الدول النفطية القدرة على تحديد سعر عادل للنفط، وضمان احتكار أمريكا للاستثمار في حقول النفط، وإلغاء كل العقود التي وقعتها هذه الدول مع أوروبا وروسيا ! وهذا سيتساوق مع وجود عسكري أمريكي دائم في هذه المنطقة من العالم، وهو لا شك يشكل عودة عصور الاستعمار من جديد !
إن ( الحرب على الإرهاب ) والذي يشكل شعاراً للاستراتيجية الأمريكية سيعيد الناس إلى عصور الاستعمار، واحتكار الأسواق المالية والموارد الأولية كما كان الوضع قبل عصر الاستقلال ، وستفرض سياسة أمركة السوق بالقصر والعنف!
إسرائيل .. الولد المدلل: من يحميه ؟
سبقت الإشارة إلى أن الغرب يعتبر إسرائيل ربيبته في المنطقة، فهي في رأيه تشكل الدولة الديمقراطية المثالية في عالم متخلف حضاريا ومدنيا وسياسيا، ولذا فإن وضع إسرائيل التي يجمعها بالغرب قواسم حضارية ودينية مشتركة، تمثل المجتمع المدني الحقيقي، ولذا فإن حمايتها من واجبات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وهذا جزء من أهداف توجيه الضربة المرتقبة إلى العراق وتدمير قوته العسكرية التي لم يكن تدميرها كافياً بقدر كبير بعد غزو العراق للكويت في عام 90، فالعراق يشكل خطرا حقيقيا على إسرائيل في ظل نظام البعث، فكيف لو تمكنت الأصولية الإسلامية من الإمساك بزمام الحكم في الدول الإسلامية، الأمر سيصبح خطيراً جداً على إسرائيل، ولذا كان من واجب الغرب أن يوازي في حربه على ( الإرهاب ) ، وبين تفكيك القوى التي تشكل الخطر على إسرائيل، قبل أن يتمكن المد الإسلامي من الحكم في تلك البلاد!
إن إزالة الخطر العربي على إسرائيل من المهمات التي توجه إليها ( برنارد لويس ) مع الإدارة الأمريكية، وركز في خطاباته على الخطر على الغرب في حالة حصول ( الإرهابيين الإسلاميين ) على أسلحة الدمار الشامل سواء في العراق أم في سوريا أو في إيران، وأنه لا يجوز لأمريكا أن تبدي الضعف تجاه العرب والمسلمين وقد قال مسؤول أمريكي في مجلة نيويوركر: إن لويس صرف المخاوف من إثارة غضب الشارع العربي بالقول: ( لا شيء مهم في ذلك الجزء من العالم سوى الإرادة الحازمة والقوة ) .
وهو مع ذلك يرى أن إسرائيل قد استعجلت في الانسحاب من جنوب لبنان، وقدمت دلالة ضعف دفع الفلسطينيين إلى إطلاق الانتفاضة الثانية