صحيح أن الفضائيات العربية أظهرت قدرة غير متوقعة لمنافسة الإعلام الغربي الذي كان في العادة يجول في الميدان وحده ويحتكر المعلومة والصورة، ولكنها فضائيات مازالت أسيرة عقل باطن بعيد عن وعي الذات، ويشغله وعي آخر مزيف، وكانت القدرات التقنية الهائلة على المتابعة ونقل الأحداث وتصويرها في نفس اللحظة وبثها إلى العالم كله مصدراً للتضليل والإغراق وافتعال التفاؤل، ولا بأس بالتراجع بعد أيام قليلة، فالناس تنتظر دائماً ما تعتقد أو تأمل أنه جديد، ولا بأس من الاستجابة لهذا التطلع ولو بالوهم والحيل والتضليل.
يقول جيمي كولينغ الباحث في معهد أبحاث السياسة العامة في لندن:"هناك حاجة ماسة كي تبقى مبتهجاً ومتفائلاً باستمرار". ويقول روجر مورتيمور المحلل السياسي في مؤسسة (موري) بلندن: إن المسؤولين البريطانيين والأمريكيين يتعرضون للضغط لإصدار بيانات، وهم غالباً ما يفعلون ذلك دون أدلة كافية.
"إنهم غدوا مثلنا"جملة رُددت بفخر واعتزاز في معظم الصحف والمحطات الإذاعية والتلفازية العربية، فهم أي الإعلام الغربي وبخاصة الأمريكي يكذبون ويلفّقون ويبالغون مثل الإعلام العربي، وعلى الرغم من طرافة التعليق فإنه يوضح أن المتلقي العربي مازال غير مكترث أساساً بالاحتراف والنوعية والتنافس وكسر الاحتكار.
انظر مثلاً الاقتراح الذي صوّت عليه الكونغرس الأمريكي بغالبية ساحقة (90%) أي بجمهورييه وديموقراطييه ليوم صيام وصلاة في الولايات المتحدة لنصرة الجندي الأميركي!
ويتساءل إعلامي عربي (مارك صايغ) معلقاً على المشهد: هل هذه الحرب ستعيد الحضارة عقوداً إلى الوراء؟
الأحداث تقدم مناسبة لاستذكار كتب ودراسات سابقة تساعد على الفهم والتحليل، وتذكر الناس بمقولات وآراء عما يجري لم تجد فيها مفاجأة، وعلى الرغم من أن منهجية البحث عن أدلة وشواهد لفكرة جاهزة ومعدة يضلل الفهم، ويستدرج الناس إلى غير الحقيقة، وبخاصة عندما تحشد إمكانات معرفية كبيرة ومتقدمة لحشر هذه الفكرة في أذهان الناس وتأكيدها في عقولهم، فإن بعضاً من هذه التقاليد تساعد على الفهم وتنبه على"التلاعب بالعقول"الذي يمارس بدهاء وتحت غطاء من الديموقراطية والحياد والموضوعية والحرية الإعلامية والسياسية.
وربما يساعد على فهم فلسفة الإعلام والحرب استحضار كتابين في الموضوع هما"قصف العقول"، تأليف فيليب تايلور، وقد صدر الكتاب مترجماً في سلسلة عالم المعرفة الكويتية، وكتاب"المتلاعبون بالعقول"من تأليف هربرت شيللر أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة كاليفورنيا والذي نشره أيضاً المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت الذي يبدو اليوم أكثر أهمية على الرغم من التطور الإعلامي الكبير، ولكنها تطورات تؤكد مقولة الكتاب وفكرته عن التلاعب بالعقول الذي تمارسه وسائل الإعلام الأمريكية.
وقد يساعد هذا العرض على فهم كثير مما يجري الآن من أداء صحفي وإستراتيجيات إعلامية، مع الأخذ بالاعتبار أن الصحافة مصطلح يُستخدم كثيراً، ويُقصد به كل وسائل الإعلام وبخاصة الأخبار والتحليلات.
كانت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول فرصة لتيار التفرد بالهيمنة العالمية وشركات التصنيع لحشد الرأي العام والتأييد الشعبي للمساعي الأمريكية نحو الهيمنة وعدم السماح حتى للقوى الصديقة والمؤيدة مثل أوروبا بالمنافسة أو المشاركة في القيادة العالمية، ومرّرت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) صفقة قيمتها مائتا بليون دولار مع شركة لوكهيد لتصنيع ثلاثة آلاف طائرة مقاتلة من طراز إكس 35.
وتبدو مقولة إنه ينبغي السماح للرأي بأن يتطور بشكل طبيعي دون أي تدخل خارجي وهما في الدول الديموقراطية كما في الدكتاتورية، فالرأي العام ظل دائماً توجهه وتتدخل فيه آلة الحرب والعسكريون، وما نعرفه عن الدول في كثير من الأحيان سواء ما تبثه وسائل الإعلام أو الدراسات أو المناهج المدرسية هو تعبير عن التوجهات الدفاعية.
وفي كثير من الأحيان كانت الحرب الإعلامية بديلاً للحرب العسكرية، وهذا ما حدث تماماً في الحرب الباردة بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي، فقد انتصرت الولايات المتحدة بالضربة القاضية، وانهار الاتحاد السوفييتي بدون حرب عسكرية ولكن بفعل الدعاية والتأثير الإعلامي.
ويكاد التاريخ يكون دعاية، فقد أثبتت دراسة حديثة عن الكتب المدرسية في ألمانيا واليابان أن كتب التاريخ في هذين البلدين تقول عن الزمن الذي كُتبت فيه أكثر مما تقوله عن الماضي، ولن يساور أحداً الشك بهذا الشأن فيما يتعلق بنظام كالنظام النازي الألماني أو النظام الستاليني، ولكن أيضاً درجة الاختلاف في إعادة كتابة تاريخ روسيا الحديثة بعد انهيار الشيوعية أبقت على التلاعب بالحقيقة التاريخية، وإن نظرة على كتب التاريخ الأمريكي التي تتناول الخمسينيات أو على الكتب المؤلفة في بريطانيا في ذروة عصر الإمبراطورية تؤكد على الجانب الدعائي والتعبئة المستخدمة في صياغة الرأي العام والمناهج التدريسية.