فهرس الكتاب

الصفحة 10173 من 27364

والدعاية صارت علماً قائماً بذاته من العلوم الإعلامية وهي فن الإقناع، الذي تقوم قواعده على كسب مظهر الصدق (ليس بالضروة أن تكون الرسالة صادقة) لكسب ثقة الجمهور المتلقي المراد إقناعه، والبساطة والتكرار للوصول إلى أذهان الناس بسرعة، والنفاذ إلى ذاكرتهم التي لن تتذكر إلاّ ما استوعبته بسهولة وكثرة، واستخدام الرموز وضرب الأمثلة؛ فالذاكرة البشرية يسهل أن تختزن وأن تستدعي الصور ذات الدلالة المرتبطة بمخزون الذاكرة الموروثة أو المكتسبة، ويكاد لا يكون ثمة فرق يُذكر في وسائل العمل الدعائي بين الدول الديموقراطية والدكتاتورية، فقد لجأت جميعها إلى أساليب التأثير والعواطف وتحريك الحماس والحقد والكراهية والتمجيد، لا فرق في ذلك بين النازيين في الحرب العالمية الثانية أو الشيوعيين البلاشفة في مخاطبة العمال والمثقفين والفقراء أو الرأسماليين الأمريكيين الذي يدعون إلى الليبرالية والحرية، أو الثوار الفرنسيين، إنها دائماً عند أصحابها وسيلة لتحقيق هدف والعبرة بالمحصلة، ولا بأس بإخفاء الحقائق أو التدخل في تفسيرها أو حتى قلبها.

لقد تحولت الحرب الإعلامية في العصر الحديث من استهداف الجنود والمقاتلين سلباً أو إيجاباً للتوجه إلى المجتمعات والأمم، ويمكن ملاحظة ذلك في الغزو الفكري والثقافي وتعميم أنماط الحياة والاستهلاك والطعام والأزياء وقصات الشعر، وصار الإعلام حرباً شاملة على ثقافات الأمم وحضاراتها وتاريخها وتراثها، بل لقد اختفت ثقافات ولغات كثيرة ولم تعد موجودة ولا يعرفها حتى أصحابها، وباتت لغات وثقافات أخرى مهددة بالانقراض.

وبذلك يمكن القول بحق إن الدعاية صارت أهم الاستعدادات الحربية، وتُعدّ جزءاً رئيساً من المجهود الحربي، فهي كما يقول تايلور: قذائف من الكلمات التي تُختار بعناية، وتُصاغ بحساب دقيق مستهدفة تشكيك شعب دولة العدو وجنوده في قضيتهم، وهدم ثقتهم بقيادتهم، وفي حكومتهم وفي قدرتهم على تحقيق النصر، أو هي كما يعبر عنها عنوان الكتاب"قصف العقول"

وقد يبدو انتشار القنوات الفضائية العربية وجعلها جزءاً من السياسة ومن حياة الناس، و يبدو تشكيل آرائهم وأفكارهم ومواقفهم أمراً جيداً، وأنها أوقفت الوصاية الرسمية على ما يشاهده العرب، فقد كانوا قبل ذلك ملزمين بمتابعة ومشاهدة التلفاز الرسمي في بلدهم، الذي كان يختار لهم الأخبار والمعلومات والأفلام والمسلسلات والأغاني والثقافة، أو ما يعتبره كذلك، مستغلاً حالة الاستسلام اللذيذ لدى الناس للصورة؛ ليصوغهم في مسار واحد من التفكير والرؤية، أو ليمنع عنهم ما لا يريده من الدنيا المحيطة بهم.

فيبلغ عدد القنوات الفضائية العربية اليوم بالمئات، ولكن ذلك لم يكن المشهد كله؛ فما زالت الحكومات العربية تسيطر على الفضائيات حتى التجارية منها، أو التي تبدو مستقلة وتعمل في الخارج، بل إنها أتاحت للحكومات وسائل جديدة في الهيمنة والاحتكار في مجال الصورة والإعلام أكثر ذكاء ودهاء وأقل التزاماً بالمعايير الرسمية الثقافية والأخلاقية والسياسية، ولم يكن رجال الأعمال والمستثمرون الإعلاميون سوى واجهات لغسيل السياسات الرسمية، ولم يكونوا سوى وكلاء لحكام أكثر قسوة منهم، وأكثر التزاماً بالتعليمات والسياسات الرسمية.

ولم تكن العولمة وتسهيلاتها الجديدة في الاتصالات والمعلومات وشبكيتها سوى فرصة إضافية للحكومات لتحقق مزيداً من الإرهاب والهيمنة، واكتشفنا نحن الإعلاميين والمشتغلين في العمل العام خارج الإطار الرسمي أننا لا نملك في العمل سوى الحيلة والتسلل والتملق الذي نقاوم به الخوف من الجوع، أو نشبع تطلعاتنا إلى حياة زاهية مليئة بمتعة الاستهلاك، والتغابي الذي نحسبه ذكاء.

وبصراحة مخزية كنا مثل قنافذ محاصرة في حديقة حيوان صغيرة لا تملك من أمرها شيئاً، فتحولنا إلى حديقة شاسعة مفتوحة، قد تكون في سعتها أكبر من الغابة، وقد لا نستطيع الإحاطة بها، ولكنا بقينا في المسار المصمم لنا، ولا تبدو شراستنا ومعارضتنا سوى لعبة مسلية لأصحاب الحديقة وزوارها، وديكوراً مدهشاً يجلب التذاكر والمتعة والترفيه، ويرضي ضمائرنا على نحو مزيف صنعناه لأنفسنا وصدّقناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت