ولكن القليلين من علماء الثقافة الغربيين المعاصرين ـ النقديين ـ هؤلاء ـ من اهتم بخطورة تهديد عولمة الوعي ـ الانساني ـ وعولمة الثقافات الانسانية ( القومية ) بالتالي والغاء خصوصياتها . ومع ذلك فما يزال عدد من هؤلاء العلماء البارزين ( في تخصصات اللغويات مثل نوام تشومسكي الأمريكي ; والاجتماع الثقافي مثل زيجمونت بومان البريطاني والانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية مثل نيجل رابورت وزميلته جوانا أو فرينج البريطانيان أيضا ) .. مايزالون يدافعون عن , ويبرهنون علي مفهوم وحقيقة وجود ثقافات ـ بالجمع ; مقابل سعي علماء العولمة إلي تثبيت مفهوم: الثقافة بالمفرد: ولكننا من واقع متابعة ومعايشة تيار العولمة الثقافية , الذي تحول بوضوح في الخطاب الرسمي الأمريكي والبريطاني بشكل خاص إلي قرار سياسي وخطة للاختراق الثقافي بهدف فرض نظام للقيم ـ ولدلالات هذه القيم ولتطبيقاتها ـ السياسية والأخلاقية والفكرية التي يتم تصنيعها في مراكز بحوث خاصة تتعامل نتائج بحوثها مع مؤسسات وأجهزة اتصالاتنا المختلفة: مؤسسات وأجهزة التعليم والتثقيف والاعلام والدعوة الدينية , الأهلية والقومية علي السواء ... أو هكذا يدبرون .. من واقع متابعة ومعايشة تيار العولمة الثقافية هذا ; نلمس كما يلمس غالبية المشغولين بمصائر التنوع الثقافي الخلاق للبشرية ; نلمس مدي هيمنة هذا التيار وقوة سلطته علي كل وسائل الاتصال الكبري في عالمنا الآن , ومدي تهديده بالتالي لذلك التنوع الخلاق نفسه .
إن ثورة الاتصالات ـ التي أخضعت الثقافة ( المعرفة ) وتطبيقاتها العملية لمعاييرها ومصالحها الكوكبية / التقنية / لا تشمل فحسب مجرد وسائل الاتصال التقليدية ( الراديو والتليفزيون والتليفون .. حتي الحواسب الآلية والانترنت وشبكات المعلومات الاقليمية والدولية الأخري ) ... وانما شملت التعليم والتثقيف والترفيه والدعوة الدينية: من المدارس والجامعات ومراكز البحوث والجمعيات .. إلي المكتبات ودور العبادة وقاعات العرض ومنتجات فنون وأساليب العرض الجماعي أو العامة ( والفردي أو الخاصة ) الترفيهية والتبشرية والتعليمية والتوجهية .. إلخ ..
أي أن ثورة الاتصالات بأدواتها وبالتقنية التي تجرد المعرفة ( الثقافات ) من أصولها أو جذورها أو سياقاتها الاجتماعية الخاصة ـ شملت كل أدوات وأجهزة ومؤسسات توزيع المعرفة ... التوزيع فحسب , لأن الانتاج الحقيقي ـ وتقليداته المحلية المتقنة أو سيئة الصنع ـ يتم هناك ـ في مصانع إنتاج المعرفة المرتبطة بقوي العولمة الرئيسية ..
لهذا ـ وغيره ـ نحتاج في عالمنا العربي بشكل خاص ـ إلي برنامج حد أدني من التنسيق ـ يخطط ـ نظريا وتطبيقيا ـ لانتاج معرفتنا ( ثقافتنا السائدة وثقافاتنا الفرعية ) الخاصة . برنامج نعتقد أنه لابد أن تشارك فيه مؤسسات وأجهزة الدول والمجتمعات , الرسمية أو القومية والأهلية ـ في ميادين التعليم والبحث العلمي والتثقيف والاعلام والدعوة الدينية .. برنامج نعتقد أنه أصبح من الواضح ضرورة تحديده للثوابت الثقافية , وفتحه الأبواب كلها أمام التجدد والتجديد ; لا يتجمد عند ثوابت ومتغيرات الماضي الاشكالية ويجعلنا قادرين علي التعامل مع مستجدات الثقافات الأخري ـ بما فيها الثقافة المعولمة .
وفي هذا السياق , لابد أن نتذكر عبارة السيادة الاعلامية التي كان تحقيقها هدفا لمؤسسات الاعلام ( والصحافة بينها ) المصرية منذ أوائل الثمانينات باعتبارها دليلا علي وعي مبكر بخطورة ترك فضاء الاتصالات ـ أو الفضاء الثقافي بمعايير عصرنا ـ لسلطة غير سلطة الأمة وسيادتها الاجتماعية ; وذلك بشرط فهم السيادة علي أنها سيادة مضمونية وتقنية معا ; تكفل تحرير الوعي العربي مع إدراكه لثوابته أيضا ..