وحينئذٍ لا يصحُّ أن يُنسبَ (خطابٌ) إلى (الدّين) إلا بمقتضى آيةٍ مُحكمةٍ أو سنةٍ ثابتةٍ أو إجماعٍ منعقد ، وليس لأهواء الناس ومتاهات العقول مجال في هذا الباب ، وأما آراء العلماء في المسائل الاجتهاديّة فلا تنسب إلى الدّين وإنّما تنسب إلى أشخاصهم ، فلا يصحّ - عند أهل العلم - أنْ يُقال مذهب أبي حنيفة وجوب الصلاة والزكاة ، أو مذهب الشافعي تحريم الزنا والسرقة، ونحو ذلك من قطعيّات الشريعة المتفّق عليها ، وإنما يُنسب إلى هؤلاء الأئمّة اختياراتهم في المسائل الاجتهاديّة.
وبناءً على هذه: فإنّنا نستطيع أنْ نميِّزَ بين النقد الموجّه إلى الخطاب الديني من قبل العلمانيّين والحداثيّين ، وبين النقد الموجّه من قبل أبناء الأمّة الصادقين والأمناء على واقعها .
فالنّقد الأول رفض للخطاب الدينيّ المقدَّس من أصله ، وأنّه سبب للضعف والتخلف الذي تعيشه الأمّة ، وأنّ الغرب لم يتقدَّم وتظهر (حضارته الإنسانيّة !!) إلا بعد أنْ أُبعد الدين عن واقع الحياة .
ويتّبع هؤلاء فئةٌ لم تصل إلى هذه الدرجة من التطرّف ، وإنّما كان نقدها من أجل المطالبة بخطاب دينيٍّ معاصر يناسب جميع الأذواق والتوجّهات ، ويكون مقبولاً إلى -حدٍّ ما- لدى الغرب (المتحضر !!) ، فتجدها تطالب بمراجعات في بعض أصول الدين .
وقطعيّاته الثابتة ، كقضيّة (الولاء و البراء) و (كفر أهل الكتاب) و (الجهاد في سبيل الله) و (فرضيّة الحجاب) و (تحريم الرّبا) و (حدّ الزّنا والسرقة) ونحو ذلك من نقدٍ للقطعيّاتِ الثابتة ، أو نقد لكلام الفقهاء العالمين بدين الله بدون منهج علميّ، ولا نظر في دلائل النصوص سوى أنّها لا تناسب حضارة العصر (العولمة) .
أما النقد الثاني والذي يصدر من قبل أبناء الأمّة الصادقين والحريصين على أمر الإسلام ؛ فهو في الحقيقة نقد تجاه بعض الممارسات البشريّة والآراء الاجتهاديّة الصادرة مِنْ بعض مَنْ يُنسب إلى العلم، ولا تستند إلى دليلٍ شرعيّ ، غايته
تنقية الدين من بعض الأفكار الخاطئة والترسّبات التاريخيّة التي علقت به ، وهو منها براء .
ولكن قبل الخوض في هذا النقد ، لابدَّ من التنبّه إلى الأمور التالية:
1-إنّ الميزان الذي تُعرض عليه أقوال الناس وأعمالهم هو"الكتاب والسنة"، وما أجمع عليه سلف هذه الأمّة ، فما وافقها قُبِل ، وما عارضها رُدّ .
2-إنّه لا ينبغي أنْ يخوض في هذا المضار الخطير إلا أهل العلم والفقه في الدين ، فهم أعلم الناس بكلام الله ورسوله ، ولابدَّ أنْ يُحجَر - في المقابل - على الجاهل وغير المتخصّص في الشريعة ، وليس في ذلك (كهنوت) أو (سلطة لرجال الدين) كما يزعم العصرانيّون ، إنّما هو حق مشروع في كل علم وفنّ ألا يتكلّم فيه غير أهله . ألا ترى - مثلا - أنّه لا يقبل - عقلاً وعُرفًا - أنْ ينتقد الصحفيّ أهل الطبّ في تجاربهم العلميّة ، أو أنْ ينتقد المهندس المعماريّ خبراء الاقتصاد في نظريّاتهم ، إلا إذا كان عالمًا بذلك الفنّ معدودًا من أهله .
3-إنّه لابدّ للناقد أنْ يلتزم بالمنهج العلميّ في نقد كلام العلماء ، من إحاطة بنصوص الكتاب والسّنة ، ودِارية بأدوات فهم الخطاب ، وطرائق الاستنباط والترجيح ، وإحاطة بقواعد الإسناد والرّوِاية وغير ذلك من شروط الاجتهاد المذكورة في أبواب أصول الفقه .
أقول هذا: حتى لا ينفلت الحبل، ويتسع الخَرْق، ويدخل في الدار من ليس من أهلها !!