فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 27364

إن ضعف اللغة العربية أو مشكلات تعليمها يرجع إلى سوء المناهج وطرق التدريس والامتحانات، وهذا أمر يعلمه جميع المهتمين بشؤون التعليم في بلادنا، ويبدو ذلك أمرًا مقصودًا، فاللغة العربية رمز لما هو مهم وأساس في حياة الأمة، أعني الإسلام الذي يعدُّه البعض عقبة في طريق التماهي مع الغرب، ومصدرًا للعديد من المشكلات معه، لذا فإن الغضّ من شأن اللغة يقطع الروابط التي تربط الأجيال بدينها: عقيدة (لدى المسلمين) ، وحضارة وثقافة (لدى غيرهم) .

وإذا عرفنا أن حفظ القرآن الكريم هو العنصر الأهم في مساعدة الطلاب على نطق الفصحى نطقًا صحيحًا، وعرفنا أيضًا أن القرآن الكريم يتم تغييبه عمليًا في التعليم من خلال إلغاء مادة التربية الدينية واقعيًا، أدركنا سرًا خطيرًا من أسرار انهيار اللغة العربية وصعوبتها، لقد تفوق"طه حسين"و"أمثاله"في اللغة العربية بسبب حفظه للقرآن الكريم، وتجويده له، مع أنه حمل على شيخ الكتاب ونائبه"العريف"حملة ضارية في سيرته الذاتية"الأيام"ولكنه ردد كثيرًا أن"لغتنا يُسرٌ لا عسر"، مما يعني أن قضية تطوير اللغة التي يسعى إليها"شريف الشوباشي"بالأفكار التي قدمها، هي قضية خاسرة، أثيرت في وقت مريب، وفي ظل أحداث مريبة!. (3)

كان يفترض أن يطرح"الشوباشي"اجتهادات علمية لتطوير تعلم العربية وتيسير تدريسها وتعميمها في المدارس والمعاهد والجامعات وأجهزة الإعلام والصحافة والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتجارية، ولكنه واجه المسألة من خلال الهجاء والاتهامات الجزافية والأحكام العامة والأفكار الصادمة والمقدمات الخاطئة التي تؤدي إلى نتائج خاطئة، وتكاد كل صفحة من صفحات كتابه التي تقرب من المائتين تحمل واحدًا من هذه العناصر غير العلمية التي لم يقدم دليلًا واحدًا على صحتها أو صوابها، لقد اجتهد من سبقوا"الشوباشي"في التدليل على صحة ما يقولون حتى لو لم يكن مقنعًا. هذا ما فعله ويلكوكس والمستر ويلمور، وإسكندر معلوف، وسلامة موسى، وأحمد لطفي السيد، وعبدالعزيز فهمي، ولويس عوض، وأنيس فريحة، وسعيد عقل... وغيرهم.

بيد أن الشوباشي لم يكلف نفسه عناء البحث عن مسوِّغات حقيقية لدعواه، واكتفى بهجاء من"سماهم حراس الضاد وتراث السلف، وأنصار التجمد ورفض التجدد، وحراس القديم، وحراس الماضي، وأنصار الماضي، والمنافقين، والمزايدين، والتيار المحافظ"، والآخرين الذين وصفهم ب"الالتواء والنفاق والجمود والمزايدة واللعب على وتر الدين والتقاليد وتجارة الدين..."إلخ!

لقد انحرف الشوباشي عن موضوعه في أماكن كثيرة ليهجو من يرفضون بشدة أي تطوير ملموس في اللغة، ويصفهم بأنهم هم الذين"يرفضون بضراوة أي تجدد في كل مظاهر الحياة... وهم الذين يقفون في مواجهة كل محاولة جادة للخروج من مأزق التمسك بالماضي على حساب الحاضر والمستقبل، وهم أنفسهم الذين يفرضون مرجعيات سلفية لكل قضايا المجتمع ومشكلاته المستعصية، وهؤلاء يقحمون الدين الحنيف في كل شيء، ليس في السياسة فقط لكن في التعاملات اليومية والعلاقات الاجتماعية والقوانين وقواعد السلوك العام، وهم يعمدون إلى ترويع الناس معنويًا من أجل الحفاظ على القديم الذي يناسب مصالحهم". (ص120)

لم يقدم الشوباشي أي مثال على ما يقول، واكتفى بالتحريض على معارضيه فيما ذهب إليه بتهم عظمى، لا يدري أحد كيف سوَّلت له نفسه أن يوجهها إلى مجهولين قبل أن يظهر كتابه، ثم أخطأ خطأ فادحًا في تصويره للماضي والحاضر، والمستقبل والدين الحنيف. لقد صنع اليهود الغزاة في فلسطين نموذجًا فريدًا للتمسك بالماضي في صناعة الحاضر والمستقبل. لقد بعثوا لغتهم الصعبة بعد أربعة آلاف عام، وجعلوها لغة حية يترجمون إليها علوم العالم، ويتخذونها وسيلة للبحث العلمي الذي غزوا من خلاله الفضاء، وصنعوا أسلحة الدمار الشامل، وراحوا يتكلمون في المحافل الدولية والسياسية والدبلوماسية، بلغتهم القديمة المهجورة لمدة أربعة آلاف عام.

إن ديننا الحنيف لا يقحمه أحد في أمور الحياة، لأنه ببساطة نظَّم أمور الحياة الإسلامية، ووضع لها الأسس العامة، التي تكفل للإنسان المسلم وغير المسلم، الكرامة والحرية والعدل والمساواة والمشاركة، وتدفعه إلى العمل والإنتاج والإبداع..ولا أعلم من معارضي تطوير اللغة العربية على طريقة الشوباشي من يسعى إلى ترويع الناس معنويًا من أجل الحفاظ على القديم الذي يناسب مصالحه! هلا ذكر لنا مثالًا واحدًا على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت