وهذه الخطوط بما فيها من تناقض، تعيد إنتاج ما قيل ونشر في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، فقد قال اللورد"جراي"حين سئل في مجلس العموم البريطاني عن تعليم اللغة العربية بمصر:"لا تصلح اللغة العربية اليوم لتعليم العلوم إذ تفتقر إلى الإصلاحات العلمية والفنية".
وقد ألقى السير"ويليام ويلكوكس"خطبة في نادي الأزبكية عام 1893م عنوانها:"لِمَ لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين؟"، وذكر أن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لديهم هو استخدام العربية الفصحى في القراءة والكتابة، ونصحهم باتخاذ العامية أداة للتعبير الأدبي، اقتداء بالأمم الأخرى واستشهد بالأمة الإنجليزية، وقال: إنها أفادت فائدة كبيرة منذ هجرت اللاتينية التي كانت لغة الكتابة والعلم يومًا ما.
لقد اتخذ"ويلكوكس"من مجلة"الأزهر"التي كان يحررها"إبراهيم بك مصطفى، في أواخر عام 1892م (وهي غير مجلة الأزهر التي صدرت عن مشيخة الأزهر فيما بعد وتصدر حتى الآن) منبرًا يتهجم فيه على لغة القرآن. ويوحي إلى المصريين بأنهم ليسوا عربًا ولا صلة لهم ولا للغتهم بالعرب، بل ادعى ما هو أدهى، إذ زعم أن اللهجة التي يتكلمها المصريون تمت إلى اللغة الفينيقية أو"البونية"كما سماها، انحدرت إليهم منذ أن كان الهكسوس بمصر، وأنه لا صلة لها بالعربية، ونشر ذلك من خلال براهين مضحكة في كتابه"سورية ومصر وشمال إفريقية ومالطة تتكلم البونية لا العربية"الذي ظهر عام 1926م، وفيه عدّد الصعوبات التي يجدها المصريون في تعلمهم اللغة العربية. وقد حاول أن يدعم آراءه الغريبة بالتأليف بالعامية، كما ترجم بها قطعًا من بعض روايات شكسبير، وبعض فصول من الإنجيل، فجاءت الترجمة سخيفة ركيكة، أساءت إلى شكسبير والإنجيل معًا، وفي كتابه الذي ألفه بالعامية تحت عنوان:"الأكل والإيمان"، فخانته العامية، ولجأ في كثير من تعابيره إلى الفصحى لتمده بالكلمة الصحيحة."
وفي عام 1901م، أصدر"مستر ويلمور"أحد قضاة مصر كتابًا تناول فيه هذه المسألة، ونصح المصريين بهجر اللغة الفصحى، واتخاذ العامية أداة للتعبير والكتابة، وقد أثار الكتاب ردود فعل عنيفة، وتصدَّى له العديد من الكتاب، وكانت مجلة"الهلال"ميدان هذه المعركة، حيث أيَّدت العربية ودافعت عنها (راجع السنة العاشرة من الهلال وخاصة عدد فبراير 1903م) .
وقد تابع عدد من المصريين هؤلاء الأجانب في الدعوة إلى التخلص من الفصحى بوصفها حائلًا بين المصريين والتقدم، وقد حاول"إسكندر معلوف"من سورية، أن يوهم جمهور المصريين بأن اللغة العربية الفصحى من أهم أسباب تأخرهم وأثنى على اللغة الإنجليزية، وطالب بأن تكتب الصحف والمجلات بالعامية بدلًا من الفصحى، وتدوين العلوم والآداب بالعامية ليستطيع الشعب تحصيل العلوم بسهولة.
أما"سلامة موسى"فقد أثنى على"ويلكوكس"ودعوته إلى العامية، وزعم أنه شغلته هموم مصر كثيرًا، وأقضت مضجعه! وأكد دعوة الرجل إلى العامية، واتهم الفصحى بالعجز عن تأدية الرسالة الأدبية والعلمية. كما زعم أن الفصحى تبعثر وطنيتنا وتجعلها شائعة في القومية العربية (!!) (لمزيد من التفاصيل راجع: عمر الدسوقي، في الأدب الحديث، ج2، الفصل الأول) .