فهرس الكتاب

الصفحة 1879 من 27364

* ومن الممكن أن نقول إن"الإحلال"بهذه الأساليب , تم بالإغراء والإغواء والمثل السيئ! , وهو بهذه المثابة غير قسري , لكن المحتلين الفرنسيين لم يقفوا عند تلك الحدود ؛ فبعد موقعة بولاق فتك الجيش الاستعماري بأهاليها:"وغنموا أموالها , وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات اللاتي صِرْنَ مأسورات عندهم , فزيُّوهن بزي نسائهم , وأجروهن على طريقتهن في كل الأحوال , فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية , وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر" (راجع: تاريخ الجبرتي , ج2 , ص436 , ط. دار الجيل , بيروت) .

* ويصف هذه الأوضاع أيضاً"نقولا الترك"- المؤرخ اليوناني الذي شاهد الأحداث - فيقول:"وخرجت النساء خروجاً شنيعاً مع الفرنساوية , وبقيت مدينة مصر (يقصد مدينة القاهرة) مثل باريس ؛ في شرب الخمر والمسكرات , والأشياء التي لا ترضي رب السماوات" (هيرولد: هامش ص219) , ويصف رد فعل الشعب المصري المسلم , فيقول:"إن المصريين كادوا أن يموتوا من الغيظ حين كانوا يرون تلك المناظر"!

* وكان قادة الجيش الفرنسي وضباطه وجنوده ونساؤهم أمثلة ساقطة إلى أبعد الحدود في تردِّيهم في الرذيلة , وافتخارهم بها , وخصوصاً"ديزيه"الذي كان يدمن اغتصاب الفتيات الصغيرات ! (راجع: هيرولد , ص314 , ص348) .

* كان المصريون المسلمون يتميزون من الغيظ حين يرون الفجرة والفاجرات من المحتلين , ومن السفلة الذين سايروهم , وقد تفجرت ثورتهم العامة الأولى - التي تسمى (ثورة القاهرة الأولى) - يوم 21/10/1798م , وهو العام نفسه الذي ابتُليت فيه مصر بالعدوان الفرنسي , وكان إحلال"الإباحية"محل"العفاف"- أحد البواعث الأساسية للثورة (هيرولد: ص261) , وكان الثوار هم"الغلاة في الدين"حسب تعبير"هيرولد"! , وهم المتدينون من أئمة المسلمين وطلاب الأزهر , الذين قادوا الثورة , ومعهم الطبقة الفقيرة المتدنية , وأُحبطت الثورة بعد أن أُطلقت المدفعية الحديثة على الجامع الأزهر , وعلى المساجد المختلفة في أحياء القاهرة , ولم تمضِ سوى خمسة أشهر وستة أيام حتى ثارت القاهرة من جديد , ولم يجد"كليبر"- قائد - الاحتلال بُدّاً من"قذف المدينة بالمدافع وتجويعها ؛ حتى تسلم" (هيرولد , ص489) .

* وبعد ثلاث سنوات - بأيام - تم طرد المحتلين الفرنسيين , وعاد الحكم العثماني من جديد , وتولى"محمد علي"حكم البلاد باسم الدولة العثمانية - وباختيار الشعب وزعمائه - سنة 1805م , وعاد التوقير لأخلاق العفاف والستر الإسلامية , لكن جرثومة الإباحية والسفور كانت قد أصابت بعض العائلات والأفراد , وأخذت تفعل فيهم فِعلها كالمرض الخبيث .

* وانضمت إلى الجرثومة الفرنسية جراثيم أخرى ؛ ففي تلك الفترة بدأ إرسال البعثات إلى أوروبا - من تركيا وإيران ومصر - لتحصيل العلوم العسكرية , ومن ثم تأسيس جيوش حديثة , وفي مصر بدأ محمد علي باستخدام ضباط فرنسيين سنة 1820م (راجع: عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي , دار المعارف بمصر , ط4 , سنة 1982 , ص321-377) , وبعد ذلك أرسل محمد علي بعض الضباط المصريين إلى فرنسا وإنكلترا ؛ لإتمام تعليمهم هناك (نفسه , ص378) , وقد بلغ عدد المبعوثين إلى أوروبا في عهد محمد علي (319) , من سنة 1813 إلى سنة 1847م (نفسه , ص409) .

* ثم توالت البعثات إلى أوروبا في مختلف مجالات العلوم , وعاد المبعوثون وقد حملوا معهم توجهات ثقافية مجافية للثقافة الإسلامية , وعبر (رفاعة الطهطاوي) عن هذه التوجهات , وفيما يتصل بموضوعنا نلاحظ أنه ينفي أن يكون التبرج والاختلاط من دواعي الفساد ! , والقرآن الكريم ينهى عن التبرج - كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخلوة , وحين تحدث عن تحلُّل الفرنسيين من ضوابط العفاف والستر سمى التحلل"لخبطة"! , فقال:"إن نوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن , بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة", وهذا الكلام فيه تهوين من قيمة"الخمار"الذي أمر به القرآن الكريم بقوله - تعالى -: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخمُرِهِنَّ عَلَى جيُوبِهِنَّ} [النور:31] , كذلك سوَّغ الطهطاوي مراقصة الرجال للنساء , حين وصف حفلات الرقص , وقال:"إن الرقص - عندهم - فيه من الفنون ... , ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس, وكأنه نوع من العياقة والشلبنة , لا الفسق"! (نقلاً عن د.محمد محمد حسين: الإسلام والحضارة الغربية , المكتب الإسلامي , ط1 , سنة 1399هـ - 1979م , بيروت , ص36) (والعياقة , والشلبنة كلمتان عاميتان تعنيان: الأناقة والفتوة , هامش ص36 نفسها) , وهكذا أضيفت جراثيم جديدة ضد أخلاق العفاف والستر الإسلامية .

* وكان محمد علي باشا حريصاً على أن يقف الاقتباس عن أوروبا عند حدود العلوم , ولا يتعداها إلى الثقافة , لكن غيره (في مصر , وفي تركيا , وفي إيران) لم يكونوا حريصين على ذلك , بل أراد بعضهم أن يجعل بلاده قطعة من أوروبا , مثل السلطان"محمود الثاني", ثم ابنه عبد المجيد في تركيا (نفسه , ص14-16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت