* لكن الخديوي"إسماعيل"كان المثل البارز لذلك النوع من الحكام (1863-1879م) , وهو الذي زعم أن مصر صارت"قطعة من أوروبا", في حين كانت مصر في عهده قد فقدت استقلالها , وأُخضعت لوصاية الدول الأجنبية (راجع: الرافعي , عصر إسماعيل , ج2 , ص81) , وكانت تربية إسماعيل فرنسية , وقد مكث في باريس فترة كطالب بعثة , لكنه لم يحصِّل شيئاً من العلوم , وأحب الفرنسيين جداً , فلما تقلد منصب الخديوية فتح لهم البلاد على مصراعيها , فجاءوا بكثرة , وجلبوا معهم - بطبيعة الحال - أخلاقياتهم التي لا تعترف بالعفاف والستر (نفسه , ص297-298) , وكان أولئك الأوروبيون - أو معظمهم - بشهادة القاضي الهولندي فان بملين Van Bemlen الذي عمل بالمحاكم المختلطة -:"من أحطّ الطبقات , ولم يكن همهم إلا الإثراء على حساب البلاد" (نفسه , ج1 , ص87-88) .
* وكان إسماعيل محباً للفنون الفرنسية , وحاول جلبها إلى مصر , ومن ذلك حفلات الرقص التي أنفق على إقامتها ببذخ , ودعا إليها الكبراء والأثرياء (نفسه , ص298) , وتلك هي البيئة الخصيبة للمجون والتحلل من كل آداب العفاف والستر الإسلامية.
* وكانت مدارس التنصير- في ذلك العهد - تخرِّج أناساً فقدوا الولاء للدين والوطن:"ونال كثير منهم الحماية الأجنبية بواسطة القناصل ؛ فصاروا في حكم الأجانب في انتمائهم للدول الأجنبية , وميولهم إليها" (عصر إسماعيل , ج1 , ص209) , فهؤلاء طرحوا أخلاق العفاف والستر , وحاكوا الأجانب في السفور والتبرج والتحلل , بل إن بعضهم ارتدّ عن الإسلام ! .
* وهكذا اتسعت دائرة التحدي , وصمدت الأمة المسلمة , وجاهدت , وحاصرت الوباء في العواصم , فظل معظم البلاد على أخلاقيات الستر والعفاف , والآن تعود العواصم الإسلامية - بفضل الله تعالى - إلى الحجاب والنقاب والخمار , ويتحقق"الإحلال الحميد", وينتصر دين الله في هذه التحديات .
* والآن لابد أن نتساءل:
كيف صارت علاقات الرجال بالنساء في المجتمعات التي تحللت من العفاف والستر ؟ , هل صارت أكثر إنسانية ورحمة واستقراراً ؟ , وكيف صار حال الأسرة ؟ , هل قويت وتماسكت ؟ , وهل انعدمت الجرائم الجنسية , أو انخفضت ؟ , وكيف صار حال الأطفال ؟ هل انخفض جنَاحُهم ؟ , هل تمتعوا بحقوقهم في دفء الأسرة وحضانتها وحبها؟ .
* إن هذه الأسئلة تكشف لنا عن الفائز في التحدي , ونحن نتوجه بها إلى الواقع ؛ لنستشهد به , فهو الشاهد التجريبي على الفلاح أو الإخفاق , وهو شاهد لا يكذب , , والإحصاءات الرسمية هي"الأساس العلمي"لمشروعية شهادته , والأجوبة هي التي ستبين إن كانت الاستباحة قد حققت"النجاح الحيوي", أو العكس .
* ونبدأ بتقرير كندي حكومي - صدر في منتصف عام 1993 - يفيد أن أكثر من نصف عدد النساء في (كندا) كُنَّ ضحايا لجرائم اغتصاب , أو محاولات اغتصاب , وبيَّن التقرير أنه استند إلى دراسة 420 حالة لسيدات - تراوحت أعمارهن بين 16 و64 عاماً - في مدينة"تورنتو", وثبت أن 98% منهن تعرضن لاعتداءات جنسية , وأكدت نسبة 54% منهن تعرضهن لتجارب جنسية - بالقوة - من قبل بلوغهن سن السادسة عشرة , وهذه الأوضاع تمثل: انهياراً في العلاقات الإنسانية , وخطراً عاماً داهماً , يتهدد كل فتاة وكل امرأة في عِرضها , وفي حياتها .
* وفي الولايات المتحدة ذكرت آخر الإحصائيات أن جريمة اغتصاب تُرتكب كل دقيقة , ويحصي تحقيق شمل عامي 92-1993 - وقوع نصف مليون اعتداء جنسي على الأمريكيات كل عام , وتقول الإحصاءات"إن جرائم الاغتصاب قفزت بنسبة 59% في عام 1991 عما كانت عليه عام 1990", هذا مع ملاحظة أن 49% من حوادث الاغتصاب لا تبلَّغ للشرطة , وعلى هذا يجب أن نعترف بأن مليون اعتداء جنسي يقع على نساء أمريكا كل عام , لا نصف مليون فقط , وبناءً على هذا يندر أن تستطيع سيدة أمريكية الإفلات من التعرض لتلك الجريمة البشعة! .
* وأما الأسرة فتعرضت للدمار في مُناخ التحلل من العفاف , فمنذ عام 1984 تتوالى التقارير الرسمية التي ترسم الخط البياني لانهيار الأسرة البريطانية , ففي بريطانيا تقع"حالة طلاق"كل ثلاث دقائق , ويقول مكتب المساحة والتعداد البريطاني:"إن حالات الطلاق زادت في سنة 1985 بنسبة 11% عنها عام 1984", وذكر المكتب أن"الانحرافات الأخلاقية"هي أحد أسباب الطلاق , وفي عام 1995 حذرت الإحصاءات الرسمية من خطر انقراض الأسرة البريطانية , وحذر مؤتمر للتعليم في يناير عام 1996 من أنه إذا لم يتم إنقاذ القيم ستعود بريطانيا إلى عصور البربرية في جيلين !