وقال جل وعلا:"وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ*وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ" [فاطر:36-37] .
قال ابن عباس: عمرناكم ستين سنة.
وفي صحيح البخاري [6419] عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة".
قال أحد البطالين لعامر بن عبد قيس: تعال أكلمك ، قال له: أمسك الشمس.
أي ليس لدي وقت لهذا الكلام إلا أن تمسك الشمس ويتوقف الزمن ويتوقف دوران الأيام وصرير الأقلام ، فحينئذ أتوقف لمحادثتك ، ولهذا عني السلف بحفظ الأوقات وضبطها.
وقد كتب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله- كتابه المعروف"قيمة الزمن عند العلماء".
وأقسم الله تعالى بـ"العصر"؛ لأنه يتحول ويتبدل ويتغير، ليل ونهار ، وصيف وشتاء ، وحر وبرد ، وعزة وذلة ، ونصر وهزيمة ، وفقر وغنى ، وشدة ورخاء ، وقوة وضعف ، ومرض وعافية ، وعسر ويسر ، وغيبة وحضور ، وهذا هو التاريخ كله مبسوط أمامك:
تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت ……
وتحدث من بعد الأمور أمورُ
وتجري الليالي باجتماع وفرقة ……
وتطلع فيها أنجم وتغورُ
وتطمع أن يبقى السرور لأهله ……
وهذا محال أن يدوم سرورُ
عفا الله عمن صير الهم واحداً ……
وأيقن أن الدائرات تدورُ
إن في الحاضر اليوم من ضعف المسلمين وتفرقهم وسطحية تفكير هم وتسلط عدوهم أمراً يبعث على الكآبة والحزن، وهذا يمكن مداواته بنوع من الامتداد إلى المستقبل ، وانتظار الفرج والسعي في التغيير ، وألا نظن أن الواقع سرمدٌ لا يزول.
كنت أقرأ قول الله تعالى:"أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ" [إبراهيم:44] وأتعجب وأتساءل من هؤلاء الذين اقسموا ما لهم من زوال؟
أليس كل الناس يدري، بل حتى الحيوان يدري أن له أجلاً ينتهي إليه، وأن الموت في انتظاره طال الزمن أو قصر ؟
من هؤلاء الذين اقسموا ما لهم من زوال ؟
حتى قرأت كتاب نهاية التاريخ للمفكر الأمريكي فوكوياما ، والذي كان احتفالاً بسقوط الشيوعية، يقول: إن الغرب قد انتصر ، إن الديمقراطية الغربية قد انتصرت وحدث الأمر المنتظر فلا جديد بالتاريخ بعد ذلك إنها نهاية التاريخ .."أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ*وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ" [إبراهيم:44-45] حل اليمين المتطرف محل الطغيان اليساري في العراق وفي غير العراق"فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ" [إبراهيم:47] .
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت ……
لنا رغبة أو رهبة عظمائها
فلما انتهت أيامنا عصفت بنا ……
شدائد أيام قليل رخائها
وكان إلينا في السرور ابتسامها ……
فصار علينا في الهموم بكاؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجه ……
رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت ……
علينا الليالي لم يدعنا حياؤها
وأقسم الله بـ"العصر"إشارة إلى ضرورة المعاصرة والمعايشة والفهم للزمان ، وهذا هو الفرق بين العصر والدهر، فالدهر هو الزمان كله، أما العصر فهو عصرك الذي تعيش فيه ، فالمرء محتاج إلى أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه مدركاً للتحولات والتغيرات التي تطرأ.
ما بين غمضة عين وانتباهتها ……
يغير الله من حال إلى حال
إن القدرة على فهم المتغيرات ومواكبتها مع التزام الشريعة الربانية والوقوف عند حدود الله عز وجل هي غاية التقوى ولهذا قال الله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29] وقال صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه:"اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"أخرجه مسلم [770] ، وعلمنا ربنا تبارك وتعالى أن نقول في كل ركعة:"اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" [الفاتحة:6] ليؤكد على أن ثمت ألواناً وأبواباً من الهداية لم تفتح بعد ، وأننا بحاجة إلى أن نطرقها، وأن نسأل الله تعالى فتحها، وأنه ليس صحيحاً أن ما أنت عليه يكفي .
وليس ما أنت عليه هو الحق دائماً وأبداً، بل من الفقه العظيم القدرة على استيعاب المتغيرات دون إخلال بثوابت الشريعة ومحكماتها.
والناس منهم من يجمد على بعض المعاني، وبعض الآراء والمفاهيم القابلة للأخذ والرد وهؤلاء يجعلون الأمر القابل للتغير ثابتاً حتى ليرفض الكثيرون منهم السنة التي لم يعلموها من قبل ، قال لي أحدهم: ما بال فلان كان يضع يديه على صدره في الصلاة ثم أصبح يضعها على سرّته.