وما تم الاتفاق عليه في لومي لم يلتزم به بغابو خوفا من فقدان الرئاسة، ولذالك واصل في سياسته العنصرية مما أثار غضب بعض الأحزاب وفي مقدمتهم تجمع الجمهوريين الذين يأتي أغلبهم من المناطق الشمالية، وأدى ذلك في النهاية إلى انقلاب عسكري في ديسمبر 2002م، إلا أنه فشل في حل الأزمة، وأدى إلى تقسيم البلاد بين الحكومة والتمرد، وكان الهدف المعلن للمتمردين هو الإطاحة بحكومة بغابو وتنظيم إنتخا بات جديدة بدلا من انتخابات الجنرال غي عام 2000م؛ باعتبارها خارج الشرعية، وكذلك إلغاء القرارات المتعلقة بتسريح بعض الجنود من الخدمة العسكرية الذين جندوا في عهد الجنرال غي، وبعد فشل الإنقلاب في تحقيق أهداف المتمردين لجأت واستولت على مدينة بواكيه ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة وعدة مدن أخرى مما مكنهم من الاستيلاء على كامل الجزء الشمالي من البلاد، مما دعا حكومة أبيدجان لأن تتهم جارتها الشمالية بالتدخل في شؤونها ومساندة المتمردين، لأن بعضا من حكوماتها السابقة كانت تطالب بمدينة بواكيه باعتبارها مدينة بوركينابية في الأصل، وهذا ما كانت تنفيه حكومة بوركينا فاسو باستمرار.
وهذا الوضع الجديد في ساحل العاج أدى إلى قتل المئات من القوات المسلحة والمدنيين بما فيهم الجاليات الموجودة هناك؛ خاصة البوركينابية والمالية والغينية وغيرها، ولكن أاشدها كان في الجالية البوركينابية بحيث قتلوا وشردوا بصورة مقصودة ومستهدفة للاعتبارات التي ذكرتها آنفا، لكن حكومة بوركينا فاسو اعتبرت هذا التصرفات من قبل حكومة أبيدجان تصرفات حمقاء، وأنها تستطيع الرد بالمثل، ولكنها غلبت لغة العقل على لغة السلاح والقوة كما قالت، وقتل في هذه الأثناء الجنرال روبيرت غي وأسرته في أبيدجان وكذلك وزير الداخلية، وتمكن الحسن وتارا من الفرار إلى سفارة فرنسا بعد إحراق منزله، ومن ثم تحركت الدبلوماسية الإقليمية والدو لية الرامية لاحتواء النزاع من جديد، مما أدى لانتقال محادثات السلام إلى كل من العواصم لومي، ودكار، وماركوسيس (ضواحي باريس) ، وأكرا.
في محادثات لومي تم التوقيع لوقف إطلاق النار وتوضيح شكل تسوية الأزمة نهائيا، ولكن ذلك فشل كما فشلت أيضا قمة دكار، ومن ثم تم اللجوء للدور العسكري للإيكواس (القوات المشتركة لدول غرب أفريقيا) بنشر 1500 جندي كقوة أفريقية بدل القوات الفرنسية لمراقبة وقف إطلاق النار تحت إشراف الأمم المتحدة وفي قمة أديس أبابا في فبراير 2003م أعرب الاتحاد الأفريقي دعمها الكامل لاتفاق ماركوسيس بفرنسا في يناير 2003م مع طلب إجراء بعض التعديلات عليه ليحقق رضا الأطراف، كما دعا الزعيم الليبي القذافي بحلول القوات الأفريقية عام 2004م في قمة تجمع الدول الساحل والصحراء في باماكو عاصمة مالي..
,,لفرنسا قاعدة عسكرية كبيرة في هذا البلد منذ الإستقلال هدفها المعلن حماية البلاد ولكن لم يكن لها أي دور في منع التصعيد والاقتتال الداخلي بل لقد بقيت متفرجة وكأن الأمر لا يعنيها ,,
وقد كان اتفاق ماركوسيس كفيلا بوضع حد للصراع بحيث اتفق الفرقاءعلى الآتي: إصلاح تشريعي في الدستور للترشيح للرئاسة بإلغاء شرط الأب والأم، بدء نزع السلاح، إقامة حكومة مصالحة وطنية ....الخ، ومن ثم فتح البند الأول الطريق أمام الحسن وتارا للترشيح لانتخابات الرئاسة مما أزال سبب حدة الأزمة الرئيسي، وتم توزيع الحقائب بين كافة أطراف ماركوسيس في الحكومة الانتقالية برئاسة لوران بغابو، ولكن بغابو رفض فيما بعد بضغط من أنصاره ذوو الغالبية المسيحية على منح وزارتي الدفاع والأمن والداخلية للمتمردين، وأدى ذالك لعرقلة تنفيذ الاتفاق، ومن ثم عادت المحادثات إلى مربعها الأول.
ولكن كل هذه التحركات؛ من تنصل من الاتفا قات وتأجيج الصراع وراءها القوى الاستعمارية خاصة فرنسا، وخاصة إذا علمت أن لفرنسا قاعدة عسكرية كبيرة في هذا البلد منذ الإستقلال؛ هدفها الرئيسي المعلن حماية البلاد، وإذا لاحظنا مجريات هذا الصراع فإننا لا نرى دور هذه القوات في منع التصعيد والاقتتال الداخلي، بل لقد بقيت متفرجة وكأن الأمر لا يعنيها، أو انحيازا إلى طرف دون الآخر؛ رغم المجازر التي حدثت هناك، إلا بعد هجوم القوات الحكومية في المناطق الشمالية فقتل فيها تسعة جنود فرنسيين وجرح آخرون؛ وهنا قامت فرنسا بتدمير السلاح الجوي الإيفواري وبالسيطرة على مطار أبيدجان، فهذا الرد يبين النية المبيتة للقوى الإستعمارية؛ وهو تدمير الدولة وترك المنطقة في حالة من عدم الإستقرار المستمر وفي مواجهة مفتوحة، وفي الآونة الأخيرة بدأت التحركات من جديد من قبل رئيس بوركينا فاسو بليزكو مباوري؛ بوساطة بين الفرقاء وتقريب وجهات النظر، فهل ينجح كومباوري ما فشل فيه الآخرون؟ فالأزمة مازالت تراوح مكانها دون التوصل لحل نهائي يعيد للبلاد استقرارها ووحدتها، مما شل حركة الحياة فيها.