ومن جانب آخر، فان هذه المنظمات لتدعيم وجودها والمحافظة على حالة النزوح وعدم الاستقرار أغرقت الارض بأموال طائلة لتخلق نوعاً من الارتباطات المصلحية المعقدة.. ففي معسكرات اللاجئين قامت بتوفير ما يحتاج اليه إنسان دارفور وما لا يحتاجه، بل وما لم يكن يحلم به، وبالتالي صار هذا الانسان يفكر، ما الذي يدعوه إلى العودة إلى القرى المحروقة وهو يجد أكثر مما يحتاجه في هذه المعسكرات بدون عناء ؟!.. وفي المدن ارتفعت قيمة ايجارات المساكن والسيارات بصورة جنونية بسبب وجود هذه المنظمات، مما يوجد عدداً من الطبقات المستفيدة من الوجود الأجنبي.. كل هذا أدى إلى تثبيط فاعلية البرنامج المضاد الذي تقوم به الحكومة والمنظمات الوطنية والإسلامية لإعادة النازحين إلى قراهم بتطبيق برنامج الإغاثة على أراضيها.
لقد بدأت المنظمات تمارس العمل التنفيذي المباشر.. فالمراقبون على الساحة قد أحصوا أعداداً ليست قليلة من الذين تضرروا.. ولكن البرنامج الأكثر تقدماً الذي يتوقع أن تقوم به في ظل حالة عدم الاستقرار هو:
1/ تشجيع حركة النزوح عن القرى وخاصة إلى خارج الأراضي السودانية تشاد مثلاً وهذا هو الذي يجري الآن على الأرض، فقد نقلت أجهزة الإعلام الخارجية قبل أسابيع انباءاً عن احتشاد بضع مئات من اللاجئين السودانيين على الحدود مع تشاد رغم نفي الحكومة لهذا النبأ.. وفي حرب الجنوب نجد مثالاً لهذا الدور. فقد تولت الكنائس أمر إخراج اللاجئين الجنوبيين إلى الدول المجاورة حيث تولت كل أمورهم من سكن وإعاشة وسفر.. وهكذا فإن ذات السيناريو يمكن أن يتم تنفيذه في معسكرات خارج الحدود.. ولك أن تتوقع البرنامج الذي يمكن ان يتم تنفيذه من تعليم، وعزل ثقافي ولغوي لأبناء النازحين، وتزكية للأحقاد ضد العرب.. هذا السيناريو تم تطبيقه في جبال النوبة على الأرض وليس خارجها، فقد حكى لنا بعض شهود العيان من أبناء المنطقة، أن بعض المناطق في الجبال لا تتحدث العربية بل الانجليزية.. من الصبيان وحتى العجزة !!
2/ سياسة الإحلال لأعداد كبيرة من الوافد غير الوطني (نصارى في الغالب) لإحداث تغيير في الميزان الديمغرافي. فإن الدرب الأسهل هو استيراد النصارى بدلاً من تنصير المكون المحلي.. هذا السيناريو سيتم عبر مراحل تبدأ أولا بإدماجهم تدريجياً في المعسكرات خارج الحدود.. ثم تسريبهم في المراحل التالية عندما يبدأ برنامج إعادة توطين النازحين..
3/ محاولة تقليص الوجود العربي المسلم، بإذكاء الحقد، وإشعال نيران الحرب بين الحين والآخر وفي هذه الحالة سيكون ميزان القوى قد اختل.. وسيقع القتل والتهجير على الجانب العربي مما يمهد الطريق لتطبيق برنامج العزل الثقافي على القبائل غير العربية.. والعزل الثقافي على الدوام هو طريق الكنيسة للتنصير.. مثلما سنوا قانون المناطق المقفولة في فترة الحكم الثنائي.. إذ كانت المنظمات الكنسية تشرف على عمليات القتل مباشرة للعنصر العربي المسلم في جنوب السودان.. فقد جاء في جريدة الرأي العام 14 سبتمبر 1955م أن القس (بلم ترى ) ، حضر الاجتماع الذي عقد قبل التمرد بيوم واحد، وقرر فيه الجنوبيون ذبح الشماليين، وقد دعا لهم القس بالتوفيق وتكليل المسعى بالنجاح.
هذا السيناريو المتوقع ليس رجماً بالغيب.. بل له شواهد من الواقع في كثير من الدول في العالم ذات الأغلبية المسلمة.. كيف تحول المسلمون فيها إلى أقليات وقد كانوا أكثرية، الفلبين التي قتلت (ماجلان) لأنه أراد أن يرفع الصليب على أراضيها المسلمة، وكان اسم حاضرتها (امان الله) وتعرف الآن بـ (مانيلا) .. اريتريا ارض الهجرة الأولى.. تنزانيا !! موزمبيق امارة (موسى بك) وغيرها من المآسي.. لابد للمسلمين من دور إيجابي لتحويل وجه الأحداث، وستكون الظروف والواقع الأصلي مع شيء من الصبر والجلد والجهد - في صالحهم. وإلا فلات ساعة مندم.