وثالثة هذه الدعائم: المسألة الاستعمارية القائمة على النّرجسية العرقية الغربية, كما يجده دارس أدبيات ما قبل الاستعمار من تكريس فكرة أحقية الغرب في استتباع العالم ببَلْوَرَة المفاهيم المركزية الغربية, وتظافرها مع التبشير باسم (العقل) و (العقلانية) و (الموضوعية العلمية) . فالمتأمِّل في كتابات (هيجل 6(مثلاً يرى نموذجاً من طغيان الفكرة الاستكبارية الغربية؛ التي كانت أساساً ومبرِّراً للحملات الاستعمارية الصليبية، حيث شحن كتبه بالافتراء على الحضارات الأخرى وتحقيرها؛ ليسوِّغ إلحاقها بالتبعية إلى المركزية الغربية كما في مقولاته المشهورة:"لا توجد فلسفة بالمعنى الحقيقي إلا في الغرب"، و"في الطبعِ الشرقيِّ الروحُ غارقةٌ في الطبيعة"، و"الفكر هنا غيبيٌّ تماماً"؛ وبناءً على ذلك تأسست أيديوجية الشعب المتحضر المسيطر على غيره من الشعوب المتوحّشة، كما عبّر(هيجل) عن ذلك بأنه"الحق الذي يملكه الشعب المسيطر على التاريخ العالمي؛ لأنه ممثل الدرجة الراهنة لروح العالم، أما بقية الشعوب فهي بلا حقوق ولا يحسب لها حساب في التاريخ العالمي"؛ لأنّ بقية الشعوب"برابرة لم يبلغوا ـ بَعْدُ ـ نفس اللحظة الجوهرية؛ لذلك نتعامل مع استقلالها كشيء شكلي".
فقد أصبح الاستعمار ـ إذن ـ عملاً (إنسانياً) يسوّغ غزو الشعوب المسماة بالمتوحشة، وفي ذلك يقول (فيري) بكل جرأة واستكبار:"لا بد من القول علنا أن الأعراق المتفوّقة لديها كامل الحق إزاء الأعراق الأدنى".
ورابعة هذه الدعائم: عقلية الاستتباع التي ارتضاها نخبة من ذوي الانبهار بقدرات الاستكبار الغربي ومن فيهم (قابلية الاستعمار) ـ بتعبير مالك بن نبي ـ ومن قَبْلِه علاّمة الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله القائل:"إنّ المغلوب مُولعٌ بتقليد الغالب". فقد عاش بعض (المُتَعَالِمين) من العالم الإسلامي اغتراباً كاملاً عن المقوّم الحضاري, واستجابةً عارمةً للنداء الاستكباري؛ حيث صدّق عليهم الاستعمار ظنه فاتبعوه, واستخفّهم ببُنَاه المعرفية وفلسفته المادية فأطاعوه؛ وصاروا معاولَ هدمٍ في صرح الثقافة الإسلامية ـ كما تراه في كتابات (طه حسين) ، و (أحمد أمين) ، و (علي عبد الرازق) ـ, وعواملَ نقضٍ لمقوّمات الهويّة والذاتيّة الحضاريّة. فقد صنع الاستعمار هذه النُخَب على عينه، وربّى عقولها ووجداناتها وتوجّهاتها ِوفق فلسفات مرجعيّته الفكرية؛ حتى غدَوْا متنكِّرين لِقيَمهم الدينية, مستكبرين على ثقافتهم الذاتيّة.
إذن، فقد كانت أخطر دعائم العلمانية في البلاد الإسلامية: استقطاب الخطاب الاستعماري فئاتٍ أصبحت تمثل منظومة الاستكبار الغربية, لكنها غريبةٌ معزولةٌ في ديار الإسلام،"جُزُرٌ في أوطانها"بتعبير (غريغوار) 7. ويكفي في بيان استضعاف هذه النخبة وانهزامها واستتباعها ما كتبه أحد روادّها (د.طه حسين) :"لقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم, ونسير سيرتها في الإدارة, ونسلك طريقها في التشريع، التزمنا هذا كلّه أمام أوروبا، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأن نسير مسيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع؟ فلو أننا هممنا الآن أن نعود أدراجنا، وأن نجبي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلاً و لوجدنا أن أمامنا عقاباً لا تُجاز ولا تُذلّل, عِقاباً نقيمها نحن, وعِقاباً تقيمها أوروبا؛ لأننا عاهدناها أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة"8!
لماذا فشلت المناهج العلمانية في بلاد المسلمين؟
من أهم أسباب الفشل الذريع الذي وجدته العلمانية في العالم الإسلامي: أنها كانت مصادمةً للثوابت الدينية, وأنّ الذين استوردوها قد أغفلوا الفروق بين الواقع الغربي والواقع المسلم, فأسقطوا التجربة الكَنَسِيَّة البابويةَ المحاربةَ للعلم على واقعٍ مخالفٍ تماماً؛ فهي شجرةٌ قُطِعت من جذورها. ورحم الله مالك بن نبي حيث قال:"إن شيئاً ما قد يموت إذا قُطِع عن وسطه الثقافي المعتاد"9، وإنّ"الفرد إذا فقد صِلََته بالمجال الثقافي فإنه يموت ثقافياً"، وكما أنّ لكل مجتمع"مقبرة يستودعها موتاه, فإن لديه مقبرةً يستودعها أفكاره الميتة, الأفكار التي لم يعد لها دور اجتماعي"10، وإنّ من أخطر أشكال العدوى:"ذلك الذي ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل"11، و"هذه الجراثيم الخاصة أفكار معدية, أفكارٌ تهدم كيان المجتمعات وتعوق نموها"12.
وأخيرا نُسجّل ـ بناءً على انبتات العلمانية في ديارنا ـ أنّ تحضُّرَ الإنسان لا يكون إلا بتحدُّره من ثقافته كما يتحدَّر الجُمان، وأنّ الخروج من الانحطاط ليس بحثاً وراء المحيطات ولا استغراباً أو استيراداً للفلسفات, بل هو تحرير للذات، وانبعاث للثقافة من مكنونات الأمة, واستنهاض ما فيها من قدرات.
[1] العلمانيّون والإسلام، للشيخ محمد قطب: 16ـ17 .
[2] أساليب الغزو الفكري، د. علي محمد جريشة: 60.
[3] راجع: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي: 2/690.