فهرس الكتاب

الصفحة 5441 من 27364

ولكن من أهم ما يجب الالتفات إليه في فهم الظاهرة الإسلامية بشكل خاص والدينية بشكل عام هي التحول المجتمعي الذي يجري في العالم العربي والإسلامي، وكيف انتقل الهم النهضوي والإصلاحي من عمل فردي بدأ في القرن التاسع عشر أو ما قبله بقليل، أو في بدايات القرن العشرين، ثم تبلورت المشروعات الدعوية والإصلاحية في حركات وجماعات إسلامية كجماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية في دول القارة الهندية، وحزب الرفاه في تركيا والجماعات السلفية والصوفية.

وما يحدث اليوم هو تحول في التدين والعمل الإسلامي من كونه عمل جماعات وحركات إلى عمل مؤسسي ومجتمعي تؤديه الأمة بأسرها، وقد يضلل أفهامنا ويستدرجنا إلى مواقع غير صحيحة ذلك التناول الإعلامي الذي يتعامل مع الظاهرة الإسلامية باعتبارها فقط عملاً حركياً منظماً تنسقه جماعات إسلامية بعضها معتدل وأخرى متطرفة دون ملاحظة تذكر لدور المجتمع أو المؤسسات الرسمية والأهلية.

ويمكن التقاط مجموعة من التعاملات المؤسسية والاستثمارية مع الظاهرة الإسلامية بعيداً عن عمل الجماعات والحركات الإسلامية، مثل البنوك الإسلامية، وقد أنشأ مؤخراً البنك العربي أكبر وأهم البنوك العربية بنكاً إسلامياً"البنك العربي الإسلامي الدولي"وشركات التأمين الإسلامية، وشركات الحج والعمرة، والمحلات التجارية المرتبطة بالسلوك الإسلامي كالحجاب والكاسيت، والأمر يتعدى الملاحظات السابقة بكثير إذا أعدنا النظر والتفكير في دور وزارات الأوقاف والمساجد والجامعات والمدارس ومحطات الإذاعة والتلفزيون والإنتاج السينمائي والتلفزيوني فسنجد أن جهوداً كبيرة تبذل للدعوة الإسلامية وينفق عليها مئات الملايين، وهي أعمال ستؤدي مراجعتها وإصلاحها إلى حالة حضارية متقدمة.

ويسجل مركز الدراسات السياسية ملاحظات واستنتاجات مهمة متعلقة بدراسة الظاهرة الإسلامية، منها أن الدراسات الأكاديمية والصحفية كانت معنية أكثر شيء بسياسات الحركة الإسلامية تجاه الدولة أو دراستها كحركة اجتماعية، وركزت هذه المعالجات على ظواهر العنف السياسي دون غيرها، ويمكن القول مع قدر من التحوط إن الدراسات في هذا الحقل ما تزال تقع في دائرة العلوم السياسية، ولم توظف مناهج علم الاجتماع أو التحليل الثقافي.

ومن هنا فإن الظاهرة الإسلامية تفتقر إلى المعلومات الدقيقة الشاملة، ولا تتلاءم دراساتها مع طبيعة الظاهرة ولا مع فهم المجتمع، وتحكمها صورة نمطية يغلب عليها السجال والهجاء والشغل بما يسمى"الإسلام السياسي"، وتعاني من العمومية والتكرار ولا تستند إلى ممارسة تحليلية عميقة.

حالة الانبعاث الديني لا تقتصر على العالم الإسلامي، فالعالم كله يشهد بعثا دينيا يؤثر على الحياة العامة والثقافة، ويعيد تشكيل الدول والمجتمعات، فإلى جانب العالم الإسلامي حيث تمثل الحركة والاتجاهات الإسلامية القوة الشعبية الفاعلة والغالبة، تقوم في أوروبا صراعات دينية قومية مثل الكروات والصرب، الصرب والبوسنة، الصرب والألبان، والكاثوليك والبروتستنت في إيرلندا، وتحتل الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة مكانة مؤثرة في الحياة السياسية والعامة، وينسب إليها نجاح الرئيس الأمريكي بوش وبرامجه ومواقفه، وتمتلك شبكة واسعة من الكنائس والجامعات ومحطات التلفزة والشركات والجمعيات، وفي الهند تغلبت الأصولية الهندوسية على حزب المؤتمر العريق الذي ظل يحكم الهند منذ تأسيسها، وفي أمريكا اللاتينية قام دعاة التحرر من رجال الدين الكاثوليكي بمحاولات للإصلاح الاجتماعي والسياسي، مثل مؤتمر مدبللين للأساقفة الكاثوليك عام 1968، ومؤتمر يوبليا عام 1979، وكانت الكنيسة في أوروبا الشرقية أهم خصم سياسي للشيوعية ولعبت دوراً مهماً في إسقاطها، وفي سيريلانكا يدور صراع بين البوذيين"السنهال"والهندوس"التاميل"، والصراع بين المسلمين والهندوس في الهند لم يتوقف، وفي الصين أخذت انتفاضة المسلمين بُعداً جديداً، حيث تقوم الحكومة الصينية بإعدام العشرات منهم بعد أكثر من نصف قرن من التعايش المعقول نسبياً، وهي أحداث تمثل نموذجاً وليست شاملة، وتدل على القوة الكامنة للدين، كما تكشف ضعف العديد من الأمم والدول.

إن الدولة ظاهرة حديثة جداً، ولم تكن الدول السيادية في مطلع القرن العشرين تتجاوز العشرين دولة، لكنها اليوم حوالي مائتا دولة، أي أنها تضاعفت خلال مائة سنة عشرة أضعاف، وهي اليوم تواجه تحدياً حقيقياً يهدد مصيرها واستمرار سيادتها وطبيعتها ووظائفها، وتقدم الحركات الدينية في معظم أنحاء العالم شعوراً جديداً بالهوية والانتماء وتجمع مساعي الشعوب نحو الإصلاح وحياة أفضل، بعدما فشلت معظم الدول والحكومات في تحقيق الرفاه لمواطنيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت