فالمحاولة، وإن كانت بسيطة إلا أنها طرحت مفهوماً ذاتيًّا للتجديد يتلخص في"سيطرة الفكرة الإسلامية الوحيدة التي تصلح بما فيها من طاقة متحركة. لتحرير العالم الإسلامي المنهار منذ سقوط خلافة بغداد"2 دون الاستناد إلى مفاهيم من خارج المنظومة الفكرية الإسلامية. وهنا تكمن فرادة هذه المحاولة التي لم تبدد فاعليتها سوى تحالفات سياسية ألغت كل بعد لفكرتها الأساس. ثم ظهرت محاولات أخرى بدت أنها امتداد لها غير أن طغيان النمط الحداثي الغربي دفع بهذه المحاولات بعيدًا عن (الفكرة الأصيلة في الإسلام) كما يسميها المرحوم مالك بن نبي. فالشروط الموضوعية التي يمكن أن تضمن تحقق محاولة تجديدية جادة ليست واضحة بالقدر الذي يجعلنا نحددها ضمن عناصر معينة، بل إن هذه الشروط حسب تقديرنا للحالة التي يعيشها الفكر الإسلامي المعاصر غير واضحة المعالم في ضوء هذا الجمود والارتهان للحداثة الغربية، ومن ثَم فالفكر الإسلامي يجب أن يتحرك ضمن تفكير جديد انطلاقًا من الموروث الديني، وأن يستثمر الآليات التي صاغت مفهوم العلم والمعرفة في إطار هذا الموروث دون الارتهان للنمط الحداثي الغربي، بل يستفيد من الحركة النقدية التي بدأت تطال الأبستملوجيا الغربية.
في نقد المحاولات التجديدية
عبد القادر قلاتي
يمكن أن ندرك بيسر أهم الأخطاء التي وقعت فيها حركة التجديد المعاصرة في محاولاتها التي تمت في حقل التداول الإسلامي، ذلك أن إصرارها على التقريب بين حقلين تداوليين يملك كل منهما خصوصية الاختلاف عن الآخر جعلت أي متابع للخطاب الديني يلحظ هذا الخلط المنهجي في عموم ما أنتج من تنظير فكري خلال عمر هذه التجربة التي اعتبرنا بدايتها ظهورا لحركة الوهابية في الحجاز.
فعملية التقريب التي تمت في إطار هذه المحاولات والتي استقت مفاهيم وآليات نقلتها من حقل تداولي «مغاير للمجال التداولي الإسلامي العربي..» 1.
أظهرت عدم إمكانية الإحاطة بالحداثة الغربية وفهم سياقاتها التاريخية «لأنها مفهوم معقد لا يمكن الإحاطة به» 2 أو التمكن من فهم تجربته دون قراءتها بعيداً عن الانبهار ودون التخلص من آثار لحظة الاصطدام التي طرقت بقسوة العقل العربي والمسلم، وراحت هذه المحاولات تحاكي النمط الحداثي الغربي الذي كان يستبطن نبذ كل ما هو قيمي باعتباره نمطا يستند في تجربته الحداثية على العلم الذي لا يمكن للجانب الأخلاقي أن يتدخل في ممارسته؛ فالحضارة الغربية كما تنعت «حضارة منكفئة على «اللوغوس» في دلالته اليونانية الأصلية أو بإيجاز إنها «حضارة لوغوس...» 3 ومن معاني «اللوغوس» التي برزت معنيان «اشتهرا أكثر من غيرهما، وهما: «العقل» و «القول» ؛ فحينئذ، تكون الحضارة الحديثة حضارة ذات وجهين: «حضارة عقل» و «حضارة قول» ؛ لكن الوجه الذي شغل الناس عمومًا والمتفلسفة والحداثيين خصوصًا أكثر من الآخر إلى حد الافتتان به، هو كونها «حضارة عقل» ؛ وتجلى هذا الافتتان في رفع «الخاصية العقلية» -أو بالاصطلاح المعروف؛ «العقلانية» - إلى أعلى مرتبة من مراتب الإدراك الإنساني كما تجلى في الميل إلى تخصيص أهل الغرب بها» 4 فالمحاولات التجديدية التي حسمت موقفها من الحداثة من أول لحظة بأن اختارت تقريب النموذج الحداثي الغربي مع تراثنا الفكري دون أن تتميز خصوصيات هذا النموذج، ودون أن تبرز خصوصية الدين الإسلامي راحت تخوض في موضوع «العقلانية» بعيداً عن خصوصية الذات، وتستند في كثير من تنظيراتها إلى هذه الخاصية «حتى تواردت عليه ضروب من الشبهة والإشكال، وتطرقت إليها صنوف من الخلل والفساد، هذه الضروب والصنوف التي تحتاج إلى استجلاء أوصافها وبيان أسبابها وتحديد آثارها حتى نحترز من الوقوع فيها ونهتدي إلى طريق في «العقلانية» يكون موافقاً للأخلاق الإسلامية» 5. فإذا حاولنا أن نجمل المحاولات التي استقت معايير العقلانية الغربية (المجردة) نستطيع أن نلاحظ ثلاث حقائق من واقع الاشتغال بهذه العقلانية حصرها طه عبد الرحمن فيما يلي:
1-أن كل من تولى النظر في وسائل النهوض بواقع العالم الإسلامي والعربي لم يتردد في أن يجعل العقلانية على رأس هذه الوسائل، مشيدًا بفضائل وفوائد المناهج العقلية في تحصيل المطلوب من التقدم والتحضر.
2-أن التعلق بالعقلانية تساوي فيه من يتمسك بأخلاق الدين الإسلامي ومن يميل عن هذا الدين مبتغيًا العمل بأخلاق أخرى وكذا من ينزل منزلة بين هذين الطرفين، منتقيًا بعض الأخلاق من الدين الإٍسلامي والبعض الآخر من مذاهب غير إسلامية أو غير دينية، بحجة مسايرة التطور والاستجابة لمقتضى التغيير.
3-أن هذه الدعوة إلى العقلانية التي تشترك فيها الفئات الإسلامية والعربية على تباين اختياراتها العقدية تزايدت في الشدة والانتشار على مدى فترة استغرقت قرنًا ونصفًا من الزمن وامتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين 6.