فهرس الكتاب

الصفحة 17320 من 27364

فبشأن حقيقة موقف (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) من قضية فلسطين يقول رفيق رضا عضو اللجنة المركزية المنشق: ... وكانت قيادة الحزب الشيوعي بمثل حماس ابن جوريون على بعث الدولة اليهودية في فلسطين؛ فإسرائيل في نظرها واحة من واحات الديموقراطية في الشرق الأدنى، والشعب الإسرائيلي المشرد لابد وأن يلتقي في أرض الميعاد، وأن واجب التضامن الأممي في عرف القيادة المذكورة هو من صلب المبادئ الماركسية، ولذا: فوجود إسرائيل له ـ في عرفها ـ مبرراته الإنسانية التي تتخطى المبررات والوقائع القومية، ومنذ اليوم الأول لكارثة فلسطين أو منذ اليوم الأول لإعلان التقسيم ووقوف الدول الكبرى إلى جانب الصهيونية بما فيها الاتحاد السوفييتي، منذ ذلك اليوم المشؤوم: انحازت قيادة الحزب الشيوعي إلى جانب الرأي الاستعماري الصهيوني، ونادت بعدالة التقسيم، ودعت إليه؛ كما لو كانت قيادة تجري في عروقها دماء إسرائيل، وهي قد التزمت جانب الاستعمار والصهيونية علناً وصراحة على لسان دعاتها وفي بياناتها وصحفها، وقد قوبلت خيانتها هذه بسخط عربي عارم زلزل الأرض تحت أقدامها، وانهالت لعنات العرب عليها حتى لم يعد بوسع شيوعي في سورية ولبنان أن يعلن شيوعيته (7) .

وقد تبنى الحزب ـ فيما بعد ـ دعوة الصلح مع إسرائيل صراحة، وكان يوزعُ في سورية سرّاً مقالات صموئيل ميكونيس أمين عام (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) المنشورة في جريدة (الكومنجورم) : في سبيل سلم دائم، الداعية إلى الصلح حلاً وحيداً لمشكلة الخلاف، ولقيت مقالات ميكونيس تأييد قيادات الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية جميعاً، تلك التي ظلت تنظر إلى النزاع العربي الإسرائيلي من زاوية الحكام في إسرائيل، لا من مبدأ وجودها (8) .

لقد ظلت الأحزاب الشيوعية العربية تتهم حكام إسرائيل اليمينيين بأنهم عملاء للاستعمار دون المساس بكيان إسرائيل أصل المشكلة، ولا بموضوع الدولة اليهودية في فلسطين، وهو أصل الخلاف.

ويعد هذا الموقف في حد ذاته تحريفاً للنظرة إلى القضية الفلسطينية، وإغراقها في المفهوم الشيوعي الجديد الذي يهاجم حكام تل أبيب ويسكت عن دولة إسرائيل، وذلك يعني: أن ارتباط إسرائيل بالغرب هو ما يغيظ الشيوعيين ولا يرضيهم، فإذا ارتبطت إسرائيل بموسكو غدت شيئاً آخر: (دولة صديقة محبة للسلام) ، يدعو لها الشيوعيون العرب بالسلامة وطول البقاء!!

أين إذن جوهر المشكلة؟ أليس هو إسرائيل ذاتها، الكيان الذي اغتصب حق الفلسطينيين وأرضهم ووجودهم، واضطهد شعباً بأكمله بين أسير وقتيل وشريد؟!

أين حمامات الدماء التي اقترفتها أيدي الإرهابيين الصهاينة في فلسطين، وراح ضحيتها آلاف النساء والشيوخ والأطفال والشباب؟!

أين مذابح قطاع غزة والضفة الغربية، وصبرا وشاتيلا، ودير ياسين.. التي كان على رأسها مثل السفاح بيجن الحائز على جائزة نوبل للسلام؟!!

فليست فلسطين، ولا القضية الفلسطينية، ولا الحق العربي الإسلامي هو المهم بالنسبة للأحزاب الشيوعية العربية، بل كان المهم لديهم أن تتعاظم القوة السوفييتية الأم في المنطقة، وينمو نفوذها ويبسط سلطانها، مادامت هذه القوة تجسد أحلامهم في الحكم، وتطلعهم يوماً ما إلى ذروة السلطة، ومادامت هي التي ترفدهم بالمال، وتوفر لهم في بلادها وفي البلاد الأخرى لذائذ الحياة في فنادقها ونواديها تحت غطاء عقد المؤتمرات والمهرجانات.

وعلى الرغم من أن قضية فلسطين كانت تطرحها الأحداث كل يوم، وبشكل أحدّ وأعنف مع تعاظم الخطر الإسرائيلي، فقد ظل الشيوعيون على موقفهم الأول منها، وظلت سياستهم ومواقفهم تدفع بالقضية الفلسطينية إلى الجوانب والهوامش، بالاعتراض على اتجاه الحكم الإسرائيلي دون المساس بالجوهر الأصل ـ وهو أصلاً اغتصاب أرض فلسطين ـ .

فدعوتهم كان هدفها ربط إسرائيل بالمعسكر الشيوعي كما هو هدفها ربط العرب إلى هذا المعسكر، وفي إطار التبعية هذه تجد المشكلة الفلسطينية حلها في الإخاء اليهودي العربي.

ومن الملاحظ أن (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) لم يكن وحده الحزب الذي أسسه اليهود ثم اختاروا لقيادته عناصر معادية لكل اتجاه عربي فضلاً عن الاتجاه الإسلامي؛ فالحزب الشيوعي المغربي: قد أسسه اليهود أيضاً تحت قيادة ليون سلطان في عام 1943م، وهو يهودي مغربي كان يعمل في سلك المحاماة (9) .

وقد ظل الحزب الشيوعي المغربي (حزب التقدم والاشتراكية حالياً) ذيلاً للحزب الشيوعي الفرنسي، واستمر ذلك بعد الاستقلال مع التبعية المطلقة للاتحاد السوفييتي (10) .

ومن الملاحظ أن علي يعتة (زعيم الحزب حالياً) قد تسلم مهام الأمين العام للحزب المذكور ـ بعد وفاة ليون سلطان ـ وهو من أصل جزائري، وقبل مجيئه إلى المغرب واتصاله بليون سلطان في الدار البيضاء كان عاملاً في فرنسا، وهناك حصل على الجنسية الفرنسية (11) .

ولا يخفى الاتصال الوثيق بين علي يعتة والجالية اليهودية في المغرب؛ فقد ظهر بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية لعام 1994م في معبد يهودي مرتدياً طاقية اليهود التقليدية، وهو يستمع إلى الحَبر الكبير الحزّان داخل السنياغوغ (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت