فهرس الكتاب

الصفحة 4123 من 27364

وتحاول أوروبا إقناع الأقطار العربية لتحويل التعاون الثنائي المشتت إلى شراكة ثابتة ومنظَّمة في إطار هيكلي يقوم على التبادل الحر، ورغم أن تأثيرات هذا التبادل سلبية على الأقطار العربية في المرحلة الأولى، ولكن حسب الرؤية الأوروبية وعلى المدى البعيد سيسمح هذا التبادل بتخفيف أسعار وكلفة المواد المستوردة، خصوصاً في مجال التصنيع، وتُرغِّب أوروبا الأقطار العربية بفتح الباب أمام الاستثمارات الأوروبية التي تؤدي إلى النمو الاقتصادي، وتحاول تبعاً لذلك إغراء الأقطار العربية بتقديم مبلغ بالعملة الأوروبية، يوازي سبعة بلايين دولار كمساعدات مجدولة على خمس سنوات ل (12) دولة تضم (تركيا، الكيان الصهيوني، قبرص، ومالطا، إضافة إلى الأقطار العربية) ، ومبلغ آخر يوازي المبلغ المذكور كقروض يحددها البنك الأوروبي، وهذه العملية تهيئ لأوروبا استعادة دورها المفقود في المنطقة وتحويل الشراكة الاقتصادية لاحقاً إلى شراكة سياسية وأمنية.

ومن خلال التمعن والمقارنة بين"الشرق أوسطية"و"البحر متوسطية"نجد بوضوح حدة التنافس القائمة بين الولايات المتحدة وأوروبا.. وفي نتيجتها النهائية وأهدافها بعيدة المدى فإن تلك المشاريع تؤدي إلى تشكيل وضع جديد في خريطة الوطن العربي، بحيث ينفصل المغرب العربي عن عمقه في أقطار المشرق العربي.

وسواء كانت صيغة العَوْلَمة الاقتصادية للمنطقة بتأسيس التكتلات العالمية الاقتصادية نوعاً من التنافس أو نوعاً من الاقتسام، فإنها تستهدف بلا أدنى شك النظام العربي الإسلامي وتحويله من نظام قائم على الركائز الحضارية والثقافية والدينية إلى مجرد نظام يتحور وفق النظريات الاقتصادية، وبالتالي تحويل شعبه إلى مجرد ناطقين باللغة العربية.

إن سياسة"العولمة"الاقتصادية في المنطقة تظهر بوسائلها التشطيرية التي تجزئ الوطن العربي بأشكال جديدة"فوق ما هو عليه الآن!"بحيث يصعب على المدى البعيد إعادتها في إطار التوحد والاندماج على المستوى العربي والإسلامي، وبذلك فإن فلسفة المشاريع هذه تؤدي إلى انقسام العرب بين مركزين متنافسين هما: المركز الأوروبي الذي يضع تحت جناحيه الأقطار في المغرب العربي، والمركز الأمريكي الذي يسيطر على أقطاب المشرق العربي، وبذلك تصبح الأقطار العربية في الجزء الغربي منافسة للأقطار العربية في الجزء الشرقي.. في إطار التنافس الدولي الأوروبي الأمريكي.. مما يعني وعلى المدى البعيد استهداف كل ما تبقى من عناصر قوة هذه الأمة وتشتيت طاقاتها وإمكاناتها.

حاجتنا إلى استراتيجية إسلامية جديدة

إننا بحاجة إلى المشروع العربي الإسلامي النهضوي الذي يعتمد المصالح الشاملة العليا، وينطلق من أرضية الحد الأدنى للمرونة الواقعية التي تؤكد على الثوابت العقائدية، وتتمسك بمتطلبات الحد الأدنى من الحضور والنهوض العربي الإسلامي المشترك.

إننا بحاجة إلى استراتيجية جديدة قوية نستطيع بفضلها أن نصل إلى مستوى جديد من القدرة على أن نسوس التغيير.. وفق عقيدة تؤمن بأن الصعوبات"والتحديات"يجب أن تحفزنا على التحدي لا أن تصيبنا الشلل والفتور!.

إننا بحاجة إلى تخطي حالة الإحباط وتفجير عناصر القوة في مجتمعنا العربي المسلم، وفي عقلنا المركب لتجاوز المعوقات"الذاتية والموضوعية"من غير انضواء تحت هذه الخيمة أو تلك"لا شرقية ولا غربية"ولنصمِّم مشروعنا الريادي الآن في سويعات الأيام المتبقية أمامنا.. للعمل الموحد بعد ما نؤمن تماماً بأهمية الابتعاد المطلق عن دوائر التنافس الدولي المتسارعة اليوم، وبأهمية انبثاق التعاون العربي الإسلامي وبأسرع ما يمكن، ذلك لأن عملية التكافؤ في المصالح لا يمكن ضمانها إلا في إطار ذلك التعاون والذي يمكن أن يظهر بصيغة"سوق عربية إسلامية"قادرة على المنافسة وفرض المطالب التنافسية في المجالات الخارجية والتكتلات الاقتصادية.

وبذلك تضمن الأمة عنصر وحدتها وإرادتها في الاختيار والقرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت