فهرس الكتاب

الصفحة 5483 من 27364

لقد بذل الغرب جهوداً جبارة لإشاعة قيمة الحضارة في عالم المسلمين ، وبلغ في ذلك شأواً بعيداً خاصة بعد سقوط مرحلة الاستعمار العسكري ، وأغرى الكثير من أبناء المسلمين بمحاكاته وتقليده والانتهاء إليه والافتتان به ، فاتخذوه قبلة في ثقافتهم ولباسهم وعاداتهم وكتبهم ومناهجهم وإعلامهم وتعلمهم وطعامهم وشرابهم ، إلى درجة قد يظن معها بعض الغافلين عن سنن التداول والتدافع الحضاري ، أن الأمة الإسلامية قد تودع منها ، حيث انتهى زمام السياسة والثقافة في كثير من بلاد العالم الإسلامي إلى قيادات موالية للغرب ، تحميها حراسات مدينة للغرب في وجودها ووسائلها ومصادرها . لكن الذي نراه ونشهده اليوم في هذه الحقبة ، التي يمكن أن نطلق عليها: حقبة المواجهة الثقافية والحضارية ، بعد المواجهة الاستعمارية: أن المسلمين الذين أسقطوا الاستعمار العسكري في الماضي -على الرغم من قوته وجبروته - يسقط أحفادهم اليوم القيم الغربية ويعرونها ويكشفون زيفها .. وأن هذه المواجهة الثقافية والحضارية اليوم تعم العالم الإسلامي ، من مغربه إلى مشرقه .. وأن البلاد الإسلامية التي أسقطت الاستعمار العسكري ،هي المهيأة دون غيرها للانتصار في المواجهة الحضارية ، وإسقاط القيم الغربية ، على الرغم من تصاعد المواجهة إلى صور من المواجهات المسلحة حيث يستنفر لها اليوم كل أعداء الإسلام .

وما أظن أن أحداً يقدر اليوم على إقناع حتى المسلمين البسطاء ، بأن قيم الحضارة الغربية في الحرية والمساواة والديمقراطية تستحق أدنى احترام أو تقدير ، بعد أن وَأدَها الغرب وتنكّر لها دعاتها من تلامذته ، عندما انقلبت عليه ، ورضي بمساندة الإرهاب والاعتداء والاستبداد السياسي والعسكريات الديكتاتورية في العالم الإسلامي . لقد كان الغرب ودعاة الديمقراطية أول من تنكر لها وضحى بها في أكثر من موقع في العالم الإسلامي ، وذلك عندما أتاحت الفرصة لظهور الإسلام ومجيء الإسلاميين ، وكان دعاتها أول الخائفين منها والمحاربين لها؛ لأن الهوامش البسيطة - لتطبيقها في العالم الإسلامي ، على مستوى النقابات والجمعيات والمؤسسات - عرَّفتهم بأقدارهم وحقيقتهم ، ذلك أن الذين يحاربون الديمقراطية ويخافون منها هم الذين يخسرون مواقعهم عند تطبيقها ..وأن الذين يتهمون بمعاداتها وحربها ، هم ثمار تطبيقها الحقيقي ، وأن الديمقراطية كانت - دائماً - فرصتهم الإسلامية ، والاستبداد وسيلة أعداء الإسلام ، وأعتقد أننا لو أنفقنا ما في الأرض جميعاً لما استطعنا إسقاط القيم الغربية من نفوس كثير من أبناء المسلمين المرتهنين لها ، كما سقطت - اليوم - على أيدي أصحابها ودعاتها الذين كانوا أول المتنكرين لها عندما سمحت بمجيء الإسلام والإسلاميين ، وأصبح من اليقين الثابت ؛ أن هذه القيم الغربية إنما وجدت لتحقق أغراض أصحابها ، وتأمين العمالة الثقافية في بلاد المسلمين .. وأنها بمجرد أن عجزت عن تحقيق أهدافها ، كان أصحابها ودعاتها أول المتنكرين لها .

لقد سقطت القيم الغربية اليوم ، كما سقط الاستعمار الغربي العسكري بالأمس ، سقطت في البلقان ، وسقطت من قبل في فلسطين ، وها هي تسقط اليوم في أفغانستان ، وفي الكثير من بلاد العالم الإسلامي ، حيث يدعم الغرب اليوم العسكر ، والاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي الذي يغاير قِيَمه بحسب الظاهر ؛ لأن ذلك يحول دون البديل الإسلامي ، الذي بقي الأمل الوحيد .. ولم يبق من سبيل أمام إنقاذ البقية الباقية من قيم الحضارة الغربية في بلاد المسلمين إلا تشويه البديل الإسلامي واستفزازه ، ودفعه إلى ممارسات شاذة وانفجارات عشوائية ، تشوَّه صورته ، وتعطي انطباعاً مخيفاً عنه ، وتصور أن العودة إلى العلمانية وقيم الحضارة الغربية ، هي طريق الخلاص من هذه الأصوليات المرعبة ، ولكن جاء ذلك بعد فوات الأوان وانكشاف الحقائق .. وقد يكون المطلوب من الإسلاميين اليوم ، أكثر من أي وقت مضى:

-التمسك بقيم الحضارة الإسلامية وثوابتها ،وتمثلها في حياتهم حتى يدرك الناس الفوارق الحقيقية بينهم وبين دعاوى الآخرين .

-تجنب المواجهة وردود الأفعال ، مهما كانت الاستفزازات وعظمت التحديات ؛ لأن المواجهة غير المتكافئة سوف تكون لصالح أعدائهم .

-التزام الخلق الإسلامي في التعامل مع الآخر ، مهما اشتدت عداواته .

-الانتصار لقضايا الحرية والمساواة وكرامة الإنسان، مهما كانت التضحيات ، والدفاع عنها كالدفاع عن الأنفس والأعراض .

-عدم الانفصال عن جسم الأمة وأهدافها الأساسية ، وتوسيع قاعدة الالتزام بالإسلام ؛ ليتحول من كونه دعوة جماعة أو جماعات ، إلى اختيار أمة بكاملها .

-الوقوف مع الحق أينما كان ، ومن أي إنسان جاء ، وعدم التعصب للذات ، أوالانتصار للنفس .

-عدم المساومة على القيم والمبادئ والثوابت الإسلامية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت