فهرس الكتاب

الصفحة 23880 من 27364

وتزداد الشكوك المحيطة بدعوة حوار الأديان بين النصرانية والإسلام إذا تبينا السياق الذي تُروَّج فيه هذه الدعوة على الجانب الإسلامي وهو سياق مقلق على أقل تقدير، ومرة أخرى لسنا بحاجة إلى اجترار المفردات الأليمة لذلك السياق الذي يعيش فيه الإسلام والمسلمون داخل بلدانهم؛ ولكن يكفي أن نلخصه في عملية اجتياح وضرب للمؤسسات الإسلامية والحركات الدينية والأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل والسكانية (تحت ستار تحديد النسل) إلى عملية الإبادة الفعلية أو"المذابح"الموجهة للمسلمين التي لم تعد تلفت الأنظار لكثرتها، وهذه العملية تحدث بدرجات وأشكال متفاوتة في شدتها وكيفيتها على امتداد عالم الإسلام، وتقودها نخب علمانية لا دينية حاكمة أو صاحبة نفوذ قوي على الحكام وصلت بفضل المساندة الغربية القديمة والمتجددة إلى مقاعد الحكم والتوجيه وصنع القرار في هيئة دكتاتوريات عسكرية وبوليسية أو حتى حكومات"ديمقراطية ليبرالية". والحجج والمسوِّغات والأسباب التي تساق لهذا الاجتياح معروفة هي الأخرى لفرط تكرارها، وهي تتراوح بين التحديث والعصرنة إلى مكافحة التطرف والإرهاب"الإسلامي"!

وفي هذا السياق الخطير رأينا العجب: رؤساء الوزارات والهيئات التي أنيطت بها السيطرة على شؤون الإسلام يُعيَّنون من العلمانيين الأقحاح ذوي العقليات المتغربة؛ بينما المساجد تغلق، والعلماء يُنَحَّوْن عن المنابر ويسجنون، والجمعيات والهيئات الإسلامية تحاصَر، وأعمال البر والتقوى تحظر.. إلخ.

ويتشابه السياق الإسلامي الذي تطرح فيه دعوة الحوار الديني مع السياق الغربي أو المسيحي للدعوة من زاويتيه بشكل مذهل. ففيه أيضاً تتحول النصرانية أو الكنائس المحلية للأقليات النصرانية إلى عناصر قوة تتكامل مع قوة المسيحية الدولية، وفيه كذلك يسود مناخ العداء المرضي ضد الإسلام في وسائل الإعلام ودوائر الحكم والسلطة العلمانية وفيه أخيراً يبرز نفوذ اليهودية الصهيونية من وراء ستار الماسونية وأندية الروتاري والليونيز والإباحية في الفنون وما شابهها.

الإسلام والمسلمون هم العنصر الغائب والمضروب في السياقين المسيحي ـ الغربي و"الإسلامي"لدعوة الحوار الديني؛ وكأن أعداء الإسلام وخصومه في النهاية هم الذين يتحاورون مع بعضهم بعد أن قسَّموا أنفسهم إلى فريقين: أحدهما مسيحي أصيل واثق من نفسه حر مستقل يتمتع بالمستوى المطلوب من الكفاءة الفكرية والسياسية والحوارية والآخر"الإسلامي"يمثله موظفون يأتمرون بأمر النخب العلمانية الحاكمة ولا يتمتعون بأي حرية أو استقلال أو كفاءة أو غيرة على الإسلام.

سياق دعوة الحوار الديني إذن أو الظروف والأوضاع التي تجري فيها أو يراد لها أن تجري فيها يبعث على التأمل بل يثير الشك والريب، وهو سياق يبلغ فيه التفاوت الحاد والتناقض البين حد إلغاء فكرة الحوار بين طرفين متكافئين من أساسها لتحل محلها حقيقة أن النصرانية العالمية في وضعها المسيطر تخترع مع الاستراتيجية الغربية المعادية للإسلام خدمة لهيمنتها أداة أسموها بالحوار يبتغون فيها تحقيق أهدافهم الخاصة وحدها و"يحاورون"فيها طرفاًَ أسموه بـ"الإسلامي"وما هو في الحقيقة بممثل للإسلام؛ لأن الإسلام وممثليه الحقيقيين غائبون ومغيبون ويعانون من سياق مضاد من الضعف والضغط والهجوم يكاد يلغيهم من الوجود.

حوار الأديان مرة أخرى:

لا تفتأ الدعوة إلى ما يسمى بحوار الأديان بين الإسلام والنصرانية، تتكرر من مصادر عديدة أكثرها هذه الأيام: بعض ممن يسمون بالشخصيات الدينية الرسمية في بلدان تخضع فيها المؤسسات الإسلامية للتوجيه المباشر من الجهات السياسية بل والأمنية، وقد كتب صاحب هذا القلم في الماضي على صفحات هذه المجلة حول جوانب من هذه الدعوة التي تحتمل مع ذلك المزيد من التناول لتشعُّب نواحيها، ولعل أحد أبرز هذه الجوانب هو تصور الأطراف لأهداف هذا الحوار ومراميه الذي يقصد به عادة الإسلامي ـ النصراني رغم وجود مذاهب ومعتقدات أخرى يعتنقها الملايين وتتصل بهم مصالح وحياة الكثير من المسلمين ولا سيما في بلدان آسيا، والواقع أن اقتصار دعوة الحوار الديني على الحديث مع الكنائس المسيحية ـ وبالذات الغربية منها ـ يكشف عن جوهر الدعوة ومقصدها الأول ألا وهو التقرب للغرب والانضواء تحت لوائه وتكريس التبعية له. ويجلِّي هذا المقصد أن نعود إلى مسألة تصور هذا الحوار والداعين إليه وأهداف الداخلين فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت