على الجانب الإسلامي نلاحظ أول ما نلاحظ غيبة مثل هذا التصور الواضح؛ فدعاة الحوار من الموظفين الرسميين المكلفين بذلك يكتفون بالحديث عن الحوار مع النصرانية وتحبيذه وكأنه هو الخير الأسمى للمسلمين في هذا العصر، وهم لا يوضِّحون لنا لماذا يعد هذا الحوار أمراً جيداً ومرغوباً فيه؟ كما لو كان مجرد طرح كلمة"الحوار"يغني عن أي بيان لطبيعة هذا الحوار وسياقه وأهدافه ومضمونه. والأخطر من ذلك الغموض المحير؛ إذ إن بعض هؤلاء عندما يفكر في اختراع تصور للحوار يخرج علينا بمفاهيم سقيمة ومتردية؛ ففي الآونة الأخيرة خرج بعض من هؤلاء في مصر يقولون: إن الحوار مع النصرانية الغربية مطلوب لتحسين صورة الإسلام في عين الغرب بعد أن شوهتها ممارسات المسلمين الموصوفين بالأصولية (وليس كيد الإعلام الغربي) ! وهكذا فتصور هؤلاء المسؤولين أو الرموز الإسلامية المعنية عن هذا الحوار الذي يطنطنون به هو تصور دفاعي اعتذاري تسويغي وكأنهم منذ البداية يحددون صورة الحوار في هيئة المواجهة بين الادعاء والمتهم وبين جهة الاتهام واللص المقبوض عليه متلبساً؛ فالكنائس وقساوستها تجلس من ناحية تطرح التهم والشبهات ويجلس"ممثلو"الإسلام من الناحية الأخرى (وهم ليسوا في الواقع ممثليه الحقيقيين أو الغيورين) جلسة المحرَج والمعتذر الذي يحاول أن يرد على هذه الاتهامات بأي شكل حتى لو تعسف في ذلك إلى درجة التنازل عن ثوابت العقيدة والشريعة الإسلامية.
ومثل هذا التصور"للحوار"ينسف فكرة الحوار ذاتها منذ البداية ويلغي أي نِدِّيَّة وتكافؤ وتوازن بين الأطراف الداخلة فيه، فليس بين وكيل النيابة والمتهم حوار بل هناك استجواب ومساءلة بغرض الإيقاع بالمتهم والحصول على اعترافه بارتكاب الجرم، ولا يهم بعد ذلك إن قدم الأعذار والتسويغات لجريمته، بل المهم أن يدان. بينما يجلس المدعي (الطرف النصراني) مجلس المتفوق وهو المكان الذي ينبغي أن يتبوَّأه الضحية الذي عانى من إجرام الطرف المواجه وتعصبه وعدوانيته، بل ليس هذا حواراً وإنما هو أشبه بالتأنيب والتلقين من جانب الأستاذ للتلميذ الخائب الفاشل.
وفي كل الأحوال ـ وبصرف النظر عن التشبيهات والكنايات ـ فإن العلاقة التي تنشأ وفق تصور هذا"الطرف الإسلامي"المزعوم نفسه ليست علاقة"حوار"بين أنداد متكافئين بل هي علاقة خضوع واستسلام من طرف لآخر، وفي أحيان أخرى يلجأ هؤلاء الممثلون للطرف الإسلامي إلى طرح تصور بديل لهذا"الحوار"في محاولة لتغطية تخبط مفاهيمهم أو لحجب الطبيعة الحقيقية للعملية المطلوبة تحت مسمى الحوار؛ فهم يدَّعون أن الحوار مع المسيحية مطلوب في سبيل دعم السلام العالمي ودفع جهود التنمية وتحقيق الرخاء للشعوب... إلخ، وهذه كلها دعاوى سخيفة لا محل لها من الاعتبار؛ فالداخلون في الحوار هم هيئات وجهات دينية لا علاقة لها بالاقتصاد الدولي ولا بمجريات السياسة الدولية وإن كانت الكنائس تمثل أحد المؤثرات المهمة في صنع السياسات العالمية لبلدانها وللكتلة الغربية عموماً. ثم كيف يخدم السلام العالمي والتنمية الدولية إذا كانت الكنائس تنغمس في عمليات التنصير الواسعة حتى بين المسلمين وحتى وهم يجلسون على مقاعد الحوار المزعوم، بل وما هو دور ممثلي الطرف الإسلامي في السلام والتنمية العالمية والكل يعلم (وهم قد يصرحون بذلك في مناسبات) بأنهم مجرد موظفين تابعين لدولهم وليس لهم صلاحيات أوسع من مجرد الحديث باسم رؤسائهم ووفق التكليفات المحددة والمحدودة التي تصدر لهم؟
التصور عن الحوار إذن غير موجود على الجانب الإسلامي؛ بل والأسوأ من ذلك أنه قد يكون موجوداً ولكن في شكل متهافت وخطير؛ لأنه ينم عن حقيقة أن المطلوب ليس حواراً كما يفهم ويعرف ويمارسه الناس؛ بل شيء آخر هو أقرب إلى الإذعان لما يريده الطرف النصراني من هذه اللقاءات والتمشي مع أهداف هذا الطرف الآخر، وعلى الجانب المسيحي في المقابل نجد أهدافاً وتصورات واضحة ومحددة لما يريدونه من هذا"الحوار"وهم قد يتحدثون على سبيل المجاملة السطحية والعابرة عن خدعة المحبة والمودة والتفاهم بين أصحاب الدينين؛ لكنهم يأتون إلى اللقاءات بمجموعة من التصورات لا تخطئها عين المراقب، ولعل أبرز هذه التصورات هو الحصول من الجانب الذي يفترض أنه يمثل الإسلام على اعتراف وتقبُّل بصحة ما تمثله الكنائس من عقائد ودعاوى، وندِّيته وتميُّزه، وهو اعتراف ثمين للغاية في إطار سياسات الكنائس وأوضاعها داخل بلدانها وخارجها، فهو من ناحيةٍ ورقة مهمة للغاية تطرح أمام جموع المسلمين في البلدان المستهدفة بالجهود التنصيرية؛ حيث يقال لهم: إن"مشايخ الإسلام"في بلاد القلب الإسلامي يجلسون مع أرباب الكنائس يتعاونون ويتباسطون و"يتقاربون"مع المفاهيم النصرانية ولذلك فلا حاجة للتوجس من جهود البعثات التبشيرية أو الابتعاد عن ممثليها؛ بل لا بد أيضاً من التواصل معهم وهو ما يفتح آفاقاً أوسع أمام العملية التنصيرية لا سيما في بلدان آسيا وإفريقيا.