فهرس الكتاب

الصفحة 1539 من 27364

كما أن القول السالف الذكر يعطي لفرنسا حق احتلال الجزائر باعتبار أنها تريد تخليص الجزائريين من العرب القراصنة الذين في نظرها وضعوا أيديهم على الجزائر، ولذلك أجهد دعاة العروبة أنفسهم في البحث عن جذور الشعب الجزائري، ومنهم الدكتور عثمان سعدي سفير الجزائر الأسبق في دمشق وبغداد، والذي ألّف كتاباً بعنوان"عروبة الجزائر"، وفي هذا الكتاب يؤكد عثمان سعدي أن جذور الشعب الجزائري عربية، ويستشهد بما أورده الطبري في تاريخه، والذي يؤكد أن الأمازيغ نزحوا من اليمن وأطراف الجزيرة العربية إلى الجزائر والشمال الإفريقي عموماً، ويذهب بعض الباحثين إلى القول إن من أدلّة عروبة الأمازيغ هو تشابه بعض مفردات لهجتهم مع اللغة العربية، وقد تدارك دعاة الأمازيغية ذلك فاستبدلوا الأحرف الأبجدية الأمازيغية والتي كانت عربية إلى أحرف لاتينية، وكل ذلك بتخطيط من الأكاديمية البربرية التي أنشأتها باريس، وعينت على رأسها الكاتب الجزائري البربري مولود معمري الذي كان من الدعاة الأوائل إلى أمزغة الجزائر، أي: جعل الجزائر أمازيغية، وذهب رئيس حزب الأصالة الجزائري إلى القول بأن العروبة في الجزائر قد عطلت المسيرة التنموية في الجزائر، وأقحمتها في دائرة التخلف والتقهقر.

والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق: هل يتبنى هذه الأطروحة المضادة للعروبة والإسلام عموم الأمازيغ أم أنها حكر على النخبة المثقفة البربرية، والتي تكونت في الجامعات الفرنسية هي فقط الداعية إلى إحياء الأمازيغية!

معظم المؤرخين الجزائريين كالأستاذ توفيق المدني وعبد الرحمن الجيلالي وغيرهم قالوا: إن الشعب الأمازيغي احتضن العروبة والإسلام، وقدّم النصرة للفاتحين الذين جاؤوا من الجزيرة العربية، وعلى امتداد التاريخ الجزائري وقع تمازج وتصاهر بين الفاتحين العرب المسلمين وبين السكان الأمازيغ الذين ناصروا الإسلام، ولم تتسبّب العروبة في إذابة الشخصية الأمازيغية ومسخها، بل أعادت الأمازيغية إلى جذورها العربية، وطعمتها بالإسلام الحضاري.

ومنذ اعتنق الشعب الجزائري الإسلام وهو ينصهر في البوثقة العربية والإسلامية، وباتت المرجعية العربية والإسلامية هي الأساس بالنسبة إليه، ومنذ تاريخ الفتح العربي والإسلامي وإلى بداية اندلاع الثورة الجزائرية سنة 1954م لم تطرح المسألة الأمازيغية كما طرحت بهذا الشكل أثناء الثورة الجزائرية، وبعد استقلال الجزائر، وللإشارة فإن معظم المعاهد التي صانت اللغة العربية في الجزائر ودافعت عنها أثناء الاستعمار الفرنسي هي تلك المعاهد التي أسست في المناطق البربرية كبجاية والبويرة وأمشدالة وغيرها، وبالرجوع إلى كتاب علماء بجاية ومعجم أعلام الجزائر وتاريخ الجزائر العام يتضح أن معظم العلماء الذين خدموا اللغة العربية وعلوم الشريعة الإسلامية سابقاً وأثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر كانوا أمازيغاً وبربراً، وعلى رأسهم شيخ الإصلاح في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس، ولم يكن الشعب الجزائري يفرق بين العروبة والإسلام، بل كان يعد أنهما شيء واحد، وأكثر من ذلك فقد كان يعد العربي مسلماً والعكس صحيح، ولم تتحول العروبة في الجزائر إلى أيديولوجيا ذات مفاهيم علمانية لائكيّة، ولذلك كان الشعب الجزائري يرى أن العروبة هي الإسلام والإسلام هو العروبة، وحتى الذين ظلوا يقطنون جبال القبائل - سلسلة جبال الأطلس -، وحافظوا على اللهجة الأمازيغية ما زالوا إلى يومنا هذا من أشد الناس تمسكّاً بالإسلام، ويعدون المتكلم بالعربية المتقن لها أعرف الناس بالإسلام وأصوله وفروعه.

والمتجول في المناطق البربرية يدرك أن الأمازيغ مسلمون ومتمسكون بالإسلام، وتكثر المساجد في مناطقهم، وعندما تعرضت الجزائر للاستعمار الفرنسي في 5 يوليو - تموز 1830م كان أول من رفع لواء المقاومة ضد المستعمر الفرنسي هم القبائل أو الأمازيغ المسلمون، ومن الثورات التي تصدّت للاستعمار الفرنسي ثورة المقراني - والمقران لفظة بربرية تعني الكبير -، وكان شعار ثورة المقراني الدفاع عن إسلامية الجزائر وعروبتها، ولم يقاوم المقراني من أجل استرجاع الهوية الأمازيغية للجزائر، وقد أدركت فرنسا خطورة هذه العقيدة فراحت تنبش في الذاكرة الجزائرية إلى أن اهتدى استراتيجيوها إلى مبدأ التشكيك في الهوية الجزائرية، وبدأت حملة التشكيك من خلال تكوين نخبة جزائرية مثقفة مشبعة بالفكر الكولونيالي، وقد لعبت هذه النخبة المعروفة جيداً لدى الشعب الجزائري أكبر الأدوار في تمزيق صفوف الحركة الوطنية، حيث تمّ البدء في تصنيف الجزائري بأنه عربي وبربري وشاوي وما إلى ذلك.

وكانت النخبة المذكورة ترى في ارهاصات الثورة الجزائرية على فرنسا انحرافاً خطيراً باعتبار أن الثورة في مضمونها دعوة للانفصال عن الوطن الأم فرنسا، ومع اندلاع الثورة الجزائرية فكرت السلطات الفرنسية في مختلف الطرق التي تؤدي إلى تمزيق الثورة الجزائرية التي تبناها الجزائريون بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم العرقية، فوصلت فرنسا إلى أمرين لتمزيق الثورة الجزائرية من الداخل:

1-الورقة البربرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت