فهرس الكتاب

الصفحة 5384 من 27364

وحدثني متخصصون التقيتهم في التاريخ التركي أن أكثر من خمسين ألف شخص من العلماء والمقاومين راحوا ضحية الإجراءات الكمالية المجنونة، واستمرت الوحشية الأتاتوركية حتى بعد وفاة أتاتورك عام 1938م، إذ كان حكم عصمت أنينو أشد وحشية، لكن محاولة الأتاتوركية الوحشية لبناء عالم ومجتمع ودولة على مزاج التصورات الأتاتوركية باءت بالفشل الذريع، فبعد 27عامًا جاء الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس ليكنس زبالة الأتاتوركية، وليعيد للإسلام اعتباره، فعاد الأذان باللغة العربية، وفتحت المساجد التي كانت تحولت لمتاحف، وفتحت المدارس الإسلامية، خاصة مدارس الأئمة والخطباء، وبدأت حركة ترجمة واسعة وعادت تركيا تحاول التواصل مع عالمها الإسلامي عبر التعرف على الفكر الإسلامي في البلدان الإسلامية، وتم ظهور جماعة طلاب النور وطبع رسائل سعيد النورسي بشكل علني، لقد كانت هزيمة الحزب الجمهوري الساحقة في انتخابات عام 1950 م تصويتاً على أن الإسلام ليس مجرد قميص يمكن لنظام حكم مهما كانت وحشيته أن ينزعه عن الجسد التركي لكنه - أي الإسلام- هو عظام تركيا ولحمها ودمها، ومع قسوة الدولة الكمالية ووحشيتها أيقنت الحركة الإسلامية هناك أنه لا يمكن الدخول في مواجهة عنيفة مع الدولة، واعتمدت أسلوب المواجهة العقدية والدعوية لدحض الأفكار المادية والإلحادية، وهو ما عبرت عنه رسائل النور التي كان يكتبها سعيد النورسي.

كما أن جماعات النقشبندية كان لها دور كبير في المقاومة والحفاظ علي الإسلام، بل إن هيئة شؤن الديانة التي أسسها أتاتورك للسيطرة على الدين ومشاعر المتدينين كان لها أكبر الأثر في الحفاظ على الإسلام، مع تعاظم الحركة الإسلامية الدعوية في فترة الستينيات بعد الانقلاب العسكري عاد حزب العدالة ليمثل إطاراً للإسلاميين، حتى قرر الإسلاميون خوض العمل السياسي مستقلين وليس تحت مظلة الأحزاب الأخرى، فنشأ حزب النظام ثم حزب السلامة.

وبعد انقلاب عام 1980 عادت الحركة الإسلامية للعمل عبر حزب الرفاه الذي اكتسح الانتخابات المحلية والنيابية واستطاع، رئيسه نجم الدين أربكان أن يكون أول رئيس وزراء في دولة علمانية، وبعد الانقلاب عليه عام 1997 تأسس حزب الفضيلة وهو يقود الآن حزب السعادة، كما أن حزب آق (أي الحزب الأبيض كما يعرف في تركيا) حزب العدالة والتنمية هو الحزب الحاكم، ورغم أنه يقول إنه حزب غير إسلامي؛ لكن مؤسسيه لهم أصول إسلامية، وهم يتبنون أيديولوجية محافظة أشبه بأيديولوجية الحزب الديموقراطي أيام عدنان مندريس وأيديولوجية حزب الوطن الأم أيام تورجوت أوزال، وهي أحزاب عرف المسلمون في تركيا في ظلها انتعاشاً للمد الإسلامي.

تجنب المواجهة

قرار الحركة الإسلامية في تركيا بعدم خوض مواجهة عنيفة مع العلمانية والعسكر كان بناءً على دراسة وفهم للواقع التركي، بحيث استطاعت الحركة الإسلامية أن توظف المساحات المتاحة من الحرية والديمقراطية النسبية في تركيا لصالح حركتها، والتزام قواعد اللعبة السياسية، بل والمسابقة في الحفاظ على هذه القواعد. هنا فهم واضح للواقع وللسياق الاجتماعي والسياسي التركي، ومن هذا الفهم جاء قرار الحركة الإسلامية الواعي باختراق النظام السياسي، والتعامل على أرضية القواعد التي وضعها أتاتورك ووضعتها العلمانية ذاتها، ومحاولة توظيفها وليس التصادم معها، ورغم أن الخبرة التركية مهمة جدًا، لكنها مهمة في السياق التركي وتبقي دلالتها حية بالنسبة للحركات الإسلامية الأخرى في ضرورة فهم الواقع الذي تتحرك فيه الحركات الإسلامية وابتداع وسائل اجتهادية للتعامل مع هذا الواقع دون القفز عليه بطرح رؤى فلسفية ونظرية لا مكان لها إلا في عقول مطلقيها .. الخبرة الواقعية والحركية هي معمل الحقيقة والبرهان على صدق النظريات والمقولات التجريدية أو خطئها، فليس معيار صدق المقولة هو اتساقها المنطقي المجرد ولكن اتساقها وملاءمتها مع الواقع الذي تتحرك فيه وتعمل معه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت