أين هذا مما كان عليه الأمر قبل الإسلام، خاصة عند المتحاكمين بالقانون الروماني الذي يزعمون أنه أصل النهضة القانونية الغربية الحديثة،"فقد كان التزام الإنسان لآخر - وفق هذا القانون - فيما سلف من الزمن سببًا كافيًا لأن يبسط ذلك الشخص الآخر سلطانه على جسم الملتزم مباشرة ضمانًا للوفاء بما التزم به وتوثيقًا له، سواء أكان التزامًا بعمل أم بكف عن العمل، وكان له بسبب هذا السلطان أن يتخير عند الامتناع عن الوفاء من وسائل التعذيب ما يراه حاملاً على التنفيذ والوفاء أو على الافتداء بالمال، فإن شاء حبسه، وإن شاء ضربه، حتى إذا يئس من نجاحه بتلك الوسائل كان له أن يسترقه ويبيعه في حقه، بل وأن يقتله في بعض الأحوال" (8) .
وقد وضعوا ذلك في قانونهم حيث كان"بموجب عقد القرض القديم كان الدائن الذي لم يستوف حقه يستطيع بعد مهلة مقدارها 30 يوما أن يلجأ إلى إجراءات وضع اليد على المدين، فيأخذ المدين أمام القاضي، فإذا لم يجد من يتعهد عنه ويبرئه يسلم إلى الدائن الذي يحبسه في سجن خاص مدة 60 يوما يعرض خلالها في السوق 3 مرات، فإذا لم يجد من يدفع عنه وانتهت مدة الـ 60 يوما حق للدائن أن يبيعه وراء نهر التيبر أو أن يقتله" (9) .
وظل هذا الحكم تعمل به بعض الأقوام في الماضي يبيعون المدين بدينه، إلى أن جاء الإسلام ونسخ هذا الحكم، وأمر بأخذ الدين من المدين الموسر المستطيع للسداد، وإنظار المعسر الذي لا يستطيع السداد، وتقرير عظمة الثواب لهذا الإنظار، وذلك عملا بقوله تعالى:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" (سورة البقرة، الآية: 280) .
فإذا أضفت إلى ذلك نظرية الضرورة الشرعية التي يقول عنها القانوني لامبير:"تعبر نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي أشد ما تكون جزمًا وشمولاً عن فكرة يوجد أساسها في القانون الدولي العام في نظرية الظروف المتغيرة، وفي القضاء الإداري الفرنسي في نظرية الظروف الطارئة، وفي القضاء الإنجليزي فيما أدخله من المرونة على نظرية استحالة تنفيذ الالتزام تحت ضغط الظروف الاقتصادية التي نشأت بسبب الحرب، وفي القضاء الدستوري الأمريكي في نظرية الحوادث المفاجئة" (10) .
ولو تتبعنا أحكام الفقه الإسلامي ونظرياته الكثيرة؛ لعرفنا كم من النظريات والتشريعات التي أضافها هذا الفقه العظيم للفكر التشريعي بعامة والفكر القانوني الغربي بخاصة.
3 -معركة الحضارة: (61-62) ، نقلاً عن كتاب: انحطاط الغرب (The Decline of West ) لمؤلفه الألماني المشهور Oswold Spengle صلى الله عليه وسلم
4 -جارودي: حوار الحضارات منشورات عويدات، بيروت - باريس، ط ثالثة، 1986م، ص17.
5 -نقلاً عن: سيد قطب: الإسلام ومشكلات الحضارة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة العاشرة، 1409هـ = 1989م، ص: 35، 36.
6 -انظر: صوفي أبو طالب: بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ص: 128.
7 -راجع: قدري باشا: مرشد الحيران، المواد: 57-71، و164.
8 -الحق والذمة: ص82.
9 -الدكتور عبد الودود يحيى: حوالة الدين، ص 34.
10 -نقلاً عن: صوفي أبو طالب: بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، ص: 131-132.