فهرس الكتاب

الصفحة 9493 من 27364

نحاول هنا أن نطرح بعض الملاحظات على المسيحية الغربية التي تمثل مناطق عيب، تقابلها أوجه قوة في الإسلام. أولى هذه الملاحظات تتعلق بغياب مفهوم الأمة الواحدة العامة في الممارسة المسيحية، وغلبة المفاهيم العنصرية، والقومية، فالعنصرية تحكم المسيحية الغربية مع الشعوب الأخرى حتى لو اعتنقت المسيحية، والقومية تهيمن على العالم المسيحي الغربي الذي يفصل بين الدين والدولة، مما أدى إلى ظهور شرور النازية والفاشية والشيوعية، وفي كل الأحوال فإن غياب مركزية التوجه ووحدته قد أصاب المسيحية الغربية بضعف شديد تحاول الآن التغلب عليه من خلال تحركات البابوية الرومية، ومجلس الكنائس العالمي في ميدان السياسة.

والعيب الثاني الرئيسي في المسيحية هو تعقد عقائدها، وغموضها المضطرب؛ كعقيدة التثليث مثلاً، ونجم عن ذلك تحول المسيحية إلى مجرد محاولة غير ناجحة لتحويل بعض الأفكار الفلسفية إلى دين لا تتقبله الفطرة الذهنية، كما نجم عنه أيضاً حركات الإصلاح المتتابعة منذ البروتستانتية، والتي سعت كلها إلى جلاء غموض الفلسفات والمذهبيات المتداخلة في العقيدة المسيحية، لكن هذه الحركات بدورها حولت الدين إلى كتلة باردة فاقدة لحرارة الإيمان والإخلاص، وانتهى الأمر إلى ضيق المفكرين والعامة من الأمر برمته، ورواج الدعوة إلى فصل المسيحية عن تسيير الشئون السياسية والاجتماعية إذا كانت عقائدها الأساسية على هذه الدرجة من التخبط، ومع ذلك بقي دعاتها يؤكدون أن صعوبة عقائدها تعني أنها موجهة بالإساس للعقول المتحضرة، وليس للسذج في بلدان آسيا وأفريقيا ممن يقبلون على الإسلام لبساطته.

والعيب الثالث القاتل هو خلو المسيحية من فلسفة اجتماعية شاملة وفعالة، فهي منذ بدايتها لا تعلق على شؤون الحياة والبشر، وليس لديها رأي في مسائل الدولة والقانون والإنتاج، ولا بديل أمامها إلا أن تعيش منفصلة عن الدولة، أو أن تسعى إلى مناقضة نفسها بالعمل على السيطرة على الدولة التي توجد الكنيسة في دائرتها، وتعود نظريتها في هذا المجال إلى القرنين الأول والثاني من تاريخها، حيث ترعرعت إلى جانب الدولة الرومانية وتركت قضايا الحياة للقياصرة الأقوياء، مكتفية بالحديث عن ملكوت الرب، وكان من شأن هذه الثنائية، والبعد عن الحياة؛ أن تثور ردود فعل قوية ضد المسيحية في تاريخها الطويل في أوروبا لعل أشهرها كان تفشي المذهب الشيوعي في بلدان الغرب؛ ليحاول ملء الفراغ الدنيوي الخالي من أي توجيه ديني، ولا ريب أن محاولة فصل الدين عن الحياة تفشل، لأن الحياة لا تقبل أن تنقسم وتحصر في أطر ضيقة.

ومن العيوب الأخرى التي أصابت المسيحية اقتصارها على الشعوب الغربية، وتطبعها بأفكارها ومذاهبها وعاداتها، ولم تنتشر المسيحية خارج أوروبا إلا في بلدان العالم الجديد في أمريكا الشمالية والجنوبية؛ حيث واجهت وثنيات متخلفة، لكنها حينما حاولت أن تتوسع في البلدان ذات الأديان المنظمة حتى وإن كانت وثنية كالهندوكية والبوذية فشلت، ولم تحرز أي تقدم إلا في ظل سيطرة الاستعمار الغربي وبمساعدته والتحالف معه، واستغلال أوضاع محلية معينة من الأزمات والحروب، والفقر والجهل، والتفكك الاجتماعي، والتدهور الثقافي، وضرب الحضارات الأصلية.

ونختتم جولتنا المطولة عبر أفكار وممارسات المسيحية بتساؤل: ترى لو عاد المسيح - عليه السلام - فهل سيتعرف على أتباعه في الغاتيكان، أم في مسلمي فلسطين والبلاد المجاورة الذين سيعرفون قدره كنبي؟ ويرحبون به حتى وهم في حالة الاستضعاف؟ إن عيسى - عليه السلام - لن يسعى لمقابلة البابا، لكنه سيحاول تحرير القدس كما حررها من قبل من الغارسيين والكتبة والمنافقين، وسيقود جيش المسلمين من فلاحي مصر والشام وفلسطين.

نقلاً ـ بتصرف ـ عن كتاب (رحلتي من الكفر إلى الإيمان ـ قصة إسلام الكاتبة الأمريكية المهتدية"مريم جميلة")

المصدر: http://tansee صلى الله عليه وسلم jee r an.com/st r uggle.html

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت