فهرس الكتاب
يمتد الأخطبوط التبشيري بتحالفاته السياسية الواسعة إلى قلب بلد كان يظن أنه بمنجى عن مخططات التنصير والتغريب وهو باكستان التي قامت على الإسلام لجمع شمل المسلمين، فما هي الصورة في ذلك البلد؟ ولنترك الأرقام تتحدث: ففي عام 1958 ذكر المسيحيون أن أعدادهم هناك تبلغ حوالي ثلاثمائة ألف، وقالوا: إن نسبة زيادة المسيحيين خلال عشر سنوات من عام 1941 إلى 1951 بلغت حوالي 30%، وكانت الزيادة في منطقة البنغال الشرقية وحدها (بنجلاديش الآن) تصل إلى 45%، ووصلت في منطقة لاهور بالجزء الغربي من البلاد إلى 50%، بينما ارتفعت في مدينة كراتشي إلى مئة بالمئة، أما في الفترة من عام 1951 ـ 1958 فقد زادت الأعداد بنسب أعلى لاسيما فيما يتصل بالمنضمين إلى المذهب الكاثوليكي.
وترجع نشاطات التنصير إلى أواخر الأربعينات، حيث استغلت الهيئات التبشيرية حالة الفوضى السائدة عقب التقسيم وما تبعه من متاعب، ونشوء تجمع لاجئين كبير في الانتشار بين الأوساط الإسلامية، والتركيز عليها، وقد ذكرت جريدة"العالم الإسلامي"التي تتبع إحدى جهات التبشير الأمريكية أن المجتمع الإسلامي قد ساده الاضطراب عام 1947 مما أدى إلى أن يصبح المسلمون أكثر تقبلاً لصداقة المسيحيين المبشرين الذين قدموا المعونات والهداية والإرشاد من خلال تنظيمات مثل: اللجنة المسيحية لإغاثة باكستان الغربية ومقرها لاهور.
وقد دعمت حكومة باكستان هذه الأعمال التبشيرية، وسهلت لها نشاطاتها من النواحي المادية والمعنوية فضلاً عن تدفق الأموال من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والسويد على أكثر من أربعين منظمة تبشيرية تنشط في باكستان من خلال المؤسسات التعليمية وغيرها.
وتركز جهات التنصير في باكستان على النواحي التعليمية بعد أن استقرت هناك؛ باستغلال الاضطراب، والعَوَز؛ الناجمين عن التقسيم.
ومن المؤسسات التعليمية كلية فورمان المسيحية للشباب، وكلية كينيرد للشابات، ودير عيسى ومريم للأطفال، وكلها تدرس بالإنجليزية ومقرها لاهور، وتعتمد الحكومة الباكستانية أساليب وأنظمة ومناهج وفلسفات التعليم في المدارس والمعاهد التبشيرية كنماذج وقدوة ومثل عليا تصاغ على أسسها سياسات التعليم في المدارس الحكومية باللغتين الأردية والبنغالية؛ و لهذا السبب تتضاءل أهمية تدريس اللغة العربية والفارسية في التعليم الحكومي، وتهيمن الإنجليزية ليس كلغة فحسب، بل وثقافة أيضاً؛ حيث يدرس الأطفال تاريخ إنجلترا على حساب تراثهم الوطني، ولا يتعلمون أي شيء عن الإسلام أو تاريخه سواءً في الخارج أو في بلدهم الإسلامي نفسه، وتحاط دراسة المواضيع الإنجليزية بمغريات شتى تحبب التلاميذ فيها، بينما تقدم مادة الإسلاميات في صورة منفرة غير متصلة بالواقع؛ سواءً في مراحل التعليم الأولية أو الجامعية.
أضف إلى ذلك أن الدراسات الإسلامية في الجامعات تقدم من وجهة نظر غربية استشراقية مما يعني أن الطلاب المسلمين يدرسون دينهم على يد أعدائه، ومما لا ينبغي إغفاله أن المدارس التبشيرية الخاصة في باكستان تعمد إلى صياغة سلوكيات الطلبة على الأنماط الغربية، فتفرض عليهم الزي الأوروبي الكامل بما فيه رباط العنق الذي لا يتناسب مع حرارة الطقس، كما تقدم لهم أصناف الطعام الإنجليزي.
مواجهة النشاط التبشيري:
مواجهة النشاط التبشيري في البلاد الإسلامية يجب أن تبدأ بمنع هذه التحركات المستغلة للعَوَز والحاجة، كما لابد أن يقترن ذلك بدعوة إسلامية إيجابية وذكية متحررة من قيود السلطة، أو روتينية الوظيفة، يقوم بها الأفراد والجماعات.
ومن المؤكد أن الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين لن يكتب لها النجاح على نطاق واسع إلا إذا قام مجتمع أو دولة إسلامية تكون بمثابة القدوة للطبيعة العملية، والممكنة للمنهج الإسلامي، وتقدم البديل العملي الناجح والقائم في وجه المنهج الغربي الفاشل على تعدد أساليبه.
فمثل هذه الدولة الإسلامية الحقيقية هي الكفيلة بإنجاح جهود الدعوة كما كانت في المدينة المنورة في عهد الرسول - عليه الصلاة و السلام -.
وإذا كان المبشرون يعتمدون على مجال الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للوصول إلى الجماهير المحرومة، فلابد من دعم جهود التنمية والوفاء بحاجات الناس الصحية والتعليمية؛ من خلال مؤسسات إسلامية تابعة للحكومات أو الأفراد أو الهيئات، ولابد كذلك من التعرف بعمق على الفكر والعقيدة المسيحية وأوجه القصور والضعف فيها.
ملاحظات عامة على المسيحية: