ولم يذكر أحد قط أن مخالفة هذا العالم أو ذاك كان بدافع الهوى، أو تغليب مصلحته الشخصية، أو رغبته، الجانحة... أبداً، وحاشاهم من ذلك؛ لأنهم كانوا أهل ورع وتقوى، ولا أدل على ذلك من أن بعضهم كان يجتنب التصريح بلفظ"الحلال"أو"الحرام"ما دامت أدلته ظنية، وهو غالب في عبارة المتقدمين؛ كراهة أن يتناولهم قوله تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام116 {النحل: 116} (4) .
الوقفة الثانية: توقيره وإكرامه، ومعرفة قدره، وحفظ وافر الحرمة له، وعدم التنقص منه لأجل خطئه؛ لما له من سابق الفضل، وجزيل البذل، وحسن البلاء في الإسلام، ومحبة النصح للأمة، وظهور إخلاصه لشرع الله ودينه، فهذا الرصيد من الحسنات يرجى له به مغفرة السيئات، وأن تغمر زلاته في بحر إحسانه.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله:"ليس منا من لم يجلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه" (5) .
الوقفة الثالثة: نصيحته ودلالته على الصواب، والمكاتبة له في ذلك إن أمكن؛ فإنه من الأمانة التي حمّلها الله عز وجل أهل العلم، وأمرهم أن يتواصلوا فيه؛ فإن العلم رحم بين أهله.
وهذا هو الذي يفسر لك الكم الهائل من الردود التي دونها أهل العلم، قياماً بواجب النصيحة التي أمروا بها.
عن تميم الداري رضي الله عنه: أن النبي قال:"الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (6) .
الإجراء الثاني:
وأما خطأ العالم وزلته، فإن"الخطأ"يرد مهما كان قائله أو فاعله، فكيف بمن خطؤه ينسب إلى الشرع! فهذا أعظم خطراً، وأشد ضرراً، وحينئذ لابد أن يقوم أهل العلم ببيان الخطأ وتزييفه، وتحذير الناس من أخذه أو التلبس به؛ فإنه متى"عرف بأنها زلة لم يجز لأحد أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين" (7) .
قال الشاطبي (ت790ه) رحمه الله:"إن زلة العالم لايصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليداً له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع؛ ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتداً بها لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها" (8) .
ولاشك أن زلة العالم ليست كزلة غيره؛ لأنها مدعاة لتتابع الناس على الخطأ، والدينونة به، والديمومة عليه؛ اغتراراً بزلته، واجتراراً لحسن الظن به.
قال الغزالي رحمه الله:"فهذه ذنوب يتبع العالم عليها، فيموت العالم ويبقى شره مستطيراً في العالم آماد متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه" (9) .
"وشبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير" (10) ، وقد قيل قديماً: إذا زل العالِم، زل العالَم (11) .
وقد وردت آثار كثيرة تحذر من زلة العالم وتبين خطورتها، فمن ذلك ما يلي:
1 عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، أن النبي قال:"إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة، قالوا: وما هي يارسول الله؟ قال: أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع" (12) .
وفي لفظ:"اتقوا زلة العالم، وانتظروا فيئته" (13) .
2 عن زياد بن حدير ثقة عابد قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون" (14) .
3 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذاك؟ قال: يقول العالم برأيه، فيبلغه الشيء عن النبي خلافه؛ فيرجع ويمضي الأتباع بما سمعوا" (15) .
فهذه الآثار وغيرها كثير تدل على خطورة زلة العالم، وتحذير الأتباع منها، فكيف بمن كان سبيل التفقه عنده التفتيش عنها، وحشد الشبه لتبريرها، واختلاق ما يسوغ العمل بها؛ فهذا والله لايفلح أبداً، كما قال الإمام عبدالرحمن بن مهدي رحمه الله:"لايكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم" (16) .
وأعظم من ذلك من كان دأبه التنقيب عن زلات العلماء ونوادرهم؛ لأجل التقرب والتعبد والعمل بها، فهذا يقال فيه ما قاله الإمام الأوزاعي رحمه الله:"من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" (17) .
الجواب عما أوردوه من الاستدلال:
وأما عن الجواب عما استدلوا به على جواز الانتقائية فهو كما يلي:
أولاً: الجواب عن الأحاديث المرفوعة:
أما الأحاديث المرفوعة فيجاب عنها من جهتين:
من جهة السند، ومن جهة المتن.
فأما من جهة السند فقد مضى البيان بأنه لايصح منها شيء البتة، بل صرح بعض الأئمة أنها موضوعة، فلا نطيل في ذلك.
وهذا الجواب وإن كان كافياً؛ لأن الكلام لايكون إلا فيما ثبت، فأما مالم يثبت فوجوده وعدمه سواء؛ إلا أنه يمكن إظهار الخلل فيها من جهة المتن أيضاً.
فالحديث الأول: (اختلاف أمتي رحمة) يدخله الفساد من جهتين:
أ من جهة لفظه.
ب ومن جهة معناه.
فالجهة الأولى: جهة لفظه.
فأما جهة اللفظ فيرد عليه ما يلي:
1 أنه أطلق الاختلاف، فيشمل أي شيء مختلف فيه ولو كان في العقائد.
2 أنه عام في المختلفين؛ فإنه لم يستثن غير العلماء من هذا الاختلاف؛ لأنه قال (أمتي) ، فيكون اختلاف أي أحد من أفراد الأمة داخلاً في حكم هذا الحديث.