فهرس الكتاب

الصفحة 15039 من 27364

فمجرد تصور ما يدل عليه لفظ الحديث يكفي في رده؛ إذ أنه يشمل كل الأمة: أعياناً وأعمالاً، فجميع أفراد الأمة الإسلامية باختلاف مشاربهم، وشتى اتجاهاتهم، وتنوع أفكارهم، وأيضاً بكل تصرفاتهم وأقوالهم واعتقاداتهم، كل ذلك الخليط الممزوج يكون"رحمة"!! وهذا لايقوله عاقل.

ولأجل فساد هذا الفهم المتبادر من لفظ الحديث إن ثبت سعى بعض العلماء إلى تخريجه على وجه مناسب وملائم.

فزعم بعضهم كما نقل عن الحليمي وغيره أن المراد الاختلاف في الحرف والمهن والصنائع، وهذا بعيد؛ لأنه لو كان هذا هو المراد لكان الأولى أن يقال: (اختلاف الناس رحمة) إذ لافرق في هذا بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم، فإن كل الأمم مختلفون في الحرف والصنائع.

وزعم آخرون كما نقل عن الجويني والحليمي أيضاً وغيرهما أن المراد به الاختلاف في المناصب والدرجات والمراتب، واستبعده السبكي تقي الدين (ت756ه) (18) ؛ لأن الذهن لايسبق إليه هذا المعنى من لفظ الحديث.

ودفعاً لأي وارد قد يرد، أطبق شراح الحديث على أن عمومه غير مراد، بل الاختلاف المحمود مقصور على اختلاف الأئمة المجتهدين دون غيرهم، ثم هو محصور في مسائل الفروع دون الأصول هذا على فرض صحة التقسيم إلى فروع وأصول .

والجهة الثانية: جهة المعنى.

وأما معناه فلا يستقيم؛ لأمرين:

1 أنه يصادم النصوص القطعية الثابتة والكثيرة التي تقضي بذم الاختلاف، وتنهى عنه.

وبالغ المناوي في دفع هذا الإيراد، وقال: هذه دسيسة ظهرت من بعض من في قلبه مرض (19) .

وليس الأمر كما قال المناوي؛ بل هو إيراد في محله، والأمر كما قال تقي الدين السبكي:"فانظر القرآن"

العزيز كيف دل على أن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، وأن الاختلاف نشأ عنه كفر بعضهم واقتتالهم، وانظر كلام النبوة كيف اقتضى أن الاختلاف سبب لاختلاف القلوب، والذي نقطع به ولاشك فيه أن الاتفاق خير من الاختلاف" (20) ."

2 ما ذكره ابن حزم وغيره أنه إن كان الاختلاف رحمة فإن الاتفاق عذاب وسخط، وهذا المفهوم من لفظ الحديث لازم لهم، مع أنه لا يقول به مسلم (21) .

وقد شنع الخطابي (388ه) على من جعل هذا المفهوم مستفاداً من الحديث وألزم به، بل نسبه إلى بعض أهل الزندقة والمجون!! (22) .

ثم حاول دفع ذلك بما لاينتهض، وتكلف الجواب عنه وقال:"قال تعالى ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه 73 {القصص: 73} فسمى الليل رحمة، فهل أوجب أن يكون النهار عذاباً؟ (23) ."

وفي الحقيقة هذا ليس بجواب؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أمتن على الخلق بأن جعل الليل والنهار كليهما من رحمته، ولم يفرد الليل بالرحمة دون النهار، فكيف يُفصل الليل عن النهار ويخص الليل بالرحمة دون النهار مع أن السياق واحد؟!

وزيادة على ما تقدم فإن متن الحديث منكر؛ لأنه نص على أن الاختلاف رحمة، وقد ثبت في حديث آخر أن الجماعة رحمة، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه: أن رسول الله قال:"الجماعة رحمة، والفرقة عذاب" (24) .

وعند الوقوف ملياً مع هذا الحديث يظهر والله أعلم أنه تحرف من لفظ آخر وهو: (اختلاف أصحابي لأمتي رحمة) ، بدليل أن لفظ: (اختلاف أمتي رحمة) مختزل منه كما هو ظاهر؛ ولأن كثيراً من الأئمة قد أنكروا أن يكون لهذا اللفظ أصل في كتب السنة، كما قال تقي الدين السبكي (756ه) :"هذا الحديث ليس معروفاً عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولاموضوع ، ولا أظن أن له أصلاً؛ إلا أن يكون من كلام الناس.. إلى أن قال: وما زلت اعتقد أن هذا الحديث لا أصل له" (25) .

وقال ابن الملقن (804ه) :"هذا الحديث لم أر من خرجه مرفوعاً بعد البحث الشديد عنه" (26) .

وهناك فرق عظيم بين اللفظين؛ فإن اللفظ الوارد: (اختلاف أصحابي...) يقصر الاختلاف على الصحابة فقط دون غيرهم، فتكون الرحمة محصورة في اختلافهم.

وهذا له محمل وجيه وصحيح؛ لأن كون اختلافهم رحمة أي رخصة، والرخصة تخفيف، والتخفيف رحمة، والمعنى: أننا استدللنا باختلافهم على جواز الاجتهاد في هاتيك المسائل أو ما شابهها، وهذا توسعة لمن جاء بعدهم؛ إذ لو لم يجتهدوا لما تجرأ أحد على خوض عباب النصوص الشرعية، ولوقف العلماء من بعدهم حيث وقفوا، فهذه التوسعة هي الرحمة المرادة.

وعلى هذا المعنى يحمل كلام السلف رحمهم الله ، كقول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة:"وكان اختلاف أصحاب محمد رحمة للناس".

وكقول عمر بن عبدالعزيز:"ما يسرني أنهم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة".

وعن موسى بن عبدالله الجهني ثقة عابد أبو سلمة الكوفي قال:"كان إذا ذكر عند طلحة بن مصرف الاختلاف، قال: لا تقولوا الاختلاف؛ ولكن قولوا السعة" (27) .

وصنف رجل كتاباً في"الاختلاف"، فقال له الإمام أحمد:"لا تسمه كتاب (الاختلاف) ولكن سمه كتاب السعة" (28) .

ولا يعني كون ذلك سعة أن للمجتهد أو المفتي الانتقاء من أقوالهم أو مذاهبهم بدون نظر أو ترجيح، فإن هذا الانتقاء اللامنضبط ليس من لازم السعة ولا من ثمراتها، وعلى هذا يحمل كلام من نفى السعة في اختلاف الصحابة ومن بعدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت