قال ابن القاسم:"سمعت مالكاً، والليث بن سعد يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله:"ليس كما قال ناس فيه سعة، ليس كذلك إنما هو خطأ وصواب" (29) ."
وسئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله أتراه من ذلك في سعة؟ فقال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صواباً جميعاً؟! وما الحق والصواب إلا واحد (30) .
قال ابن الصلاح الشهرزوري (643ه) تعقيباً على قول الإمام مالك:"قلت: لا توسعة فيه؛ بمعنى أنه يتخير بين أقوالهم من غير توقف على ظهور الراجح. وفيه توسعة؛ بمعنى أن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد مجالاً فيما بين أقوالهم، وأن ذلك ليس مما يقطع فيه بقول واحد متعين لا مجال للاجتهاد في خلافه، والله أعلم" (31) .
وقد سبقه إلى تقرير هذا الأصل: الإمام إسماعيل القاضي رحمه الله حيث قال:"إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة لأن يقول الناس بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا؛ ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا"قال ابن عبدالبر عقبه:"كلام إسماعيل هذا حسن جداً" (32) .
والمقصود أنه يجب فهم كلام السلف على وجهه؛ فإنهم أرادوا أمراً حسناً، ومعنى جميلاً من الاختلاف وقالوا: هو رخصة وسعة، ومن جاء بعدهم قال: إنه رحمة، وأراد نفس المعنى أيضاً، كما قال ابن بطة العكبري (387ه) :"فاختلاف الفقهاء في فروع الأحكام، وفضائل السنن؛ رحمة من الله بعباده" (33) .
وقال موفق الدين ابن قدامة (620ه) :"الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة" (34) .
ثم جاء من بعدهم من المتأخرين فضخموا أمر الاختلاف، وعظموه جداً حتى لكأنه مطلب رباني، أو مقصد شرعي؛ بل جعله السيوطي خصيصة من خصائص الأمة فقال:"اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون.. إلى أن قال: فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة" (35) .
وذهب الحصكفي الحنفي (1088ه) إلى أبعد من ذلك فقال:"واعلم بأن الاختلاف من آثار الرحمة، فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر" (36) .
والأمر ليس كما قالا بل هو دون ذلك بكثير؛ فإن الاختلاف ليس محموداً في نفسه وإنما يعتبر بما آل إليه؛ فإن آل إلى هوى وعصبية وبغي وعدوان وتفرق الكلمة والصف فهو مذموم ولا شك، وإن آل إلى غير ذلك مما يحبه الله عز وجل فهو ممدوح. فالعبرة بالمآل لا بالحال، تماماً كما قيل في المعصية؛ فإن بعض أهل العلم قالوا: رب معصية خير من طاعة، فليس المراد ذات المعصية؛ لأنها مكروهة للشارع فلا تمدح لذاتها، وإنما المراد بما يؤول إليه حال التائب منها مما يورث الذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار، وتحمل صاحبها على خشوع القلب، والاجتهاد في الطاعات والعبادات.
وعندي نصان لاثنين من أعيان الصحابة وفقهائهم، هما: عبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم فأما ابن عباس رضي الله عنهما فندم وحزن على فوات ما كان يزمع كتابته رسول الله من أمور لايختلفون بعدها، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فقد وصف"الخلاف"بما هو أهله، وإليك كلامهما بتمامه:
1 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حضر رسول الله ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبي:"هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده"، فقال عمر: إن رسول الله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ، قال رسول الله:"قوموا".
قال عبيدالله بن عبدالله بن عتبة الراوي عن ابن عباس: فكان ابن عباس يقول:"إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم" (37) .
2 قال الأعمش: حدثني معاوية بن قرة، عن أشياخه، أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه صلى أربعاً أي بمنى ، فقيل له، عبت على عثمان ثم صليت أربعاً؟ فقال:"الخلاف شر" (38) .