وليست هذه دعوة لطرح الاهتمام بالرد على الانحرافات العقدية الماضية أو الحاضرة ، ولا حث على الإعراض عن كتب التوحيد والجدل المتداولة المعروفة ، ولكنها تأكيد على أن هذه الكتب وحدها لا غناء فيها ، وأن أفضل الطرق لتصحيح الأيمان وترسيخه وتثبيته هي فهم القرآن ، والتفكر في عرضه لأيات الله في الكون والأنفس والآفاق ، وتدبر في تعريف الله عزّ وجلّ بنفسه ، وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى . وكم يتمنى المرء أن تعاد كتابة العقائد الإسلامية بهذا المنهج وبهذه الطريقة .
وكتب السنة ودواوينها قد أفردت الإيمان بفصول خاصة وأبواب معينة ، أوضحت حقيقة الإيمان من معين الرسو صلى الله عليه وسلم الصافي وبكلماته الجامعة المباركة النافعة . ومن كان كأن صلى الله عليه وسلم يتكلم إليه وكأنه معه يستمع إليه ، كان ذلك أدعى لنماء الإيمان في قلبه وزيادته لأنه يستمد من نبع طيب ويسقى بماء غير آسن .
وحقيقة العلم بالله إذا رسخت وثبتت كان الله حاضرا في قلب المؤمن يشهد فعله وأثره وصفاته في كل شئ وفي كل حين . وهذا الشهود هو أحسن مقاييس درجة الإيمان . وقس على ذلك شهود حقيقة الرسول وشهود حقيقة الآخره ومشاهدة مشاهدها كأنك تراها رأي العين .
وإذا كان الإيمان هو أولى الأولويات وهو المقدم على غيره من أمور علمية وعملية ، فينبغى على المؤمن أن يفحص دائما إيمانه ويفتش فيه ويسعى إلى تثبيته وترسيخه ، كما قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا" (النساء: 166) . قال ابن كثير:"يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه وليس هذا من باب تحصيل الحاصل بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه كما يقول المؤمن في كل صلاة اهدنا الصراط المستقيم أي بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه".
المنهج العلمي:
ومن أجل أن يتبين الحق والعدل الذي تقوم به حياة الناس بالقسط فلا بد من من منهج علمي سليم تتمايز به حقائق الأشياء وتقوم به قيم الأشياء ومراتبها لتوضع موضعها الصحيح . والقرآن والسنة قد أوضحا هذا المنهج أحسن توضيح .
من ذلك أنه لا بد لكل حقيقة أن تثبت بدليل وبرهان من عقل أو حس أو خبر . قال تعالى:"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" (الأعراف: 179) . وقال:"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" (الإسراء"36) . ولا يعتمد في اثبات الحقائق على الحدس والخرص والظنون . قال تعالى:"وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" (النجم: 73) . وعند التفكر في الحقائق ينبغي أن يتجرد النظر من هوى الأنفس إذ أن التفكير بالعاطفة يصرف عن الحق"إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى"."
ومن أكبر أسباب اضطراب حياة المسلمين تأثرهم بالمناهج العلمية والفكرية الجاهلية . فقد روى البخاري في صحيحه عن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:"لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟"فقد أثرت الفلسفة اليونانية على عقائد المسلمين وأثرت رهبانية الهند على التصوف وأثر مادية الغرب المعاصرة على كثير من اتجاهات المسلمين الحاضرة وخاصة اتجاه العصرانية . والمنهج الإسلامي السليم لا بد له من أن يتجرد من كل ذلك الغبش والركام .
لا عصبية: