فهرس الكتاب

الصفحة 6214 من 27364

على أن الوجودية لم تقلب"الالتزام"إلى"إلزام"قسري كما فعلت الشيوعية، بل تركته التزاماً حراً، ينبع من شعور الأديب الوجودي بمسؤوليته ،كما أن سارتر أخرج الشعر من دائرة الالتزام ، وحصره في فن النثر بحجة"أن الحقائق هي التي تعبر عن مضمونات الالتزام، وليست غاية الشعراء استطلاع الحقائق أو عرضها (7) "بالإضافة إلى أن الصلة بين الشاعر والنص تنقطع بعدإبداعه إياه ، والشعراء -على حد زعمه -قوم يترفعون باللغة عن أن تكون نفعية"..على أن سارتر انتهى أخيراً غلى أن تراجع عن موقفه من الشعر ، فأدخله مع النثر في دائرة الالتزام."

أما في المذاهب الحرة (الليبرالية) ولدى كبار الأدباء في العالم بما في ذلك بعض كبار الأدباء في العالم العربي فإننا نستظهر ثلاثة مواقف متباينة:أولها:موقف يرفض الالتزام تحت شعار"الفن للفن"أو"الفن الصافي".وتعريف"الأدب"عند دعاة"الفن للفن"أنه فن جميل مهمته أن يستثير الشعور بالجمال، والجمال وسيلته وغايته" (8) ."

وهكذا"تنظر هذه المدرسة إلى جمال الشكل وبراعة الصنعة ، فما دام الأديب ماهراً في صناعته بحيث يثير فينا الإحساس بالمتعة ، فلا ينبغي أن ننظر في مضمون قوله: إن كان صدقاً أو كذباً نافعاً أو ضاراً ، بنَّاءً أو هداماً. ويشير الناقد"وولتر باتر"صراحة إلى الغاية من هذا الاتجاه الأدبي فيقول:"الغاية من الأدب ليست ثمار التجربة ، بل التجربة نفسها". ويقول غوتييه (9) :"لا يوجد الجمال الحق إلا فيما لا فائدة منه ، وكل مفيد سمج لأنه تعبير عن حاجة ما ، وحاجات الإنسان دنيئة ومقززة كطبيعته المسكينة المعقدة.. وكل فنان يقترح شيئاً غير الجمال فليس فناناً في نظرنا".ويعزز هذه النظرة الكاتب الإنجليزي أو سكار وايلد حين يقول"ليس هناك كتاب أخلاقي"وكتاب مناف للأخلاق"إنما الكتب إما جيدة الصياغة أو رديئة الصياغة ، هذا كل ما في الأمر"فكأن هذا المذهب يعزل الأدب عن الدين والقيم والمبادئ والأخلاق، بل عن كل عناصر الحياة الإنسانية الأصيلة النقية بدعوى المتعة الفنية الخالصة" (10) .

ومع أن الدكتور محمد مندور يقرر أن مذهب الفن للفن لم يعد له وجود فإن الدكتور محمد مصطفى هدارة يقرر أن المدرسة التعبيرية تشترك مع مذهب الفن للفن في النظرة نفسها ، حيث يقول سبنجارن:"إنه ليس من شأن الأديب نشر أي دعوة أخلاقية أو اجتماعية ،وغاية ما يعنيه من الأدب توقد الإحساس وتوهجه" (11) .

ويقال الأمر ذاته في"مدرسة اللاوعي أو السيريالية أو ما فوق الواقع لأنها تقوم على استبعاد المنطق ومجافاة العقل ومعاداة الواقع ، وتحاول أن ترد الإنسان إلى غرائزه وقواه الفطرية بعيداً عن العقل ، أو كما يعرفها رائدها أندرية بريتون في أول بيان سيريلاي أصدره بأنها"إملاءات فكرية في غيبة كل ضابط يفرضه العقل ، وبعيداً عن كل اهتمام جمالي أو أخلاقي" (12) ."

أما الموقف الثاني لدى غير الملتزمين بالمذاهب السابقة فهوموقف محايد أو متردد بين رفض الالتزام أو قبوله ، وفي هذا يقول الأديب الفرنسي جان كوكتو (13) :"أنا محايد ، أتردد أمام الالتزام".

ونستطيع أن نضيف إلى هذا الموقف المحايد أو المتردد ذلك الموقف المتناقض الذي نراه لدى عدد من كبار الأدباء العرب وعلى رأسهم طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم.

أما الموقف الثالث لدى غير الملتزمين بالمذاهب السابقة فهو موقف يقبل الالتزام ويحض عليه ، ويأخذ بهذا الموقف كثير من الأدباء والنقاد العالميين حتى ليقول الدكتور محمد غنيمي هلال: (14) "يخطئ من يعتقد أن الاتجاه العام في الأدب الملتزم يمثله الوجوديون وحدهم ، أو يمثله سارتر وحده من بينهم ، والحق أن الأسس العامة للالتزام تتمثل في تيار النقد الغالب على العالم الغربي".

وقد لخص الدكتور لويس عوض ما دار في مؤتمر الكتاب الذي عقد في مدينة أدنبره، وشارك فيه نحو من عشرين كاتباً - حول موضوع الالتزام فقال (15) "فإذا أردت أن تعرف نتيجة هذه المناظرة خرجت بأن أكثر الكتاب الذين اشتركوا في الحديث وقفوا وأعلنوا أنهم يؤمنون بالالتزام ،أي يعتقدون بأن كل كاتب لا بد أن يكون مرتبطاً بقضية أو أخرى".

ومن كبار الكتاب العالميين الذين أدركوا أهمية الالتزام الأديبُ الروسي الكبير توليستوي الذي يقول في قصته المشهورة"أنا كارنينا":"كان الحكم الذي أصدره رفاقي من رجال الأدب على الحياة مؤداة أن الحياة عامة تعبر عن حالة من التقدم وأننا نحن معشرَ رجال الأدب نقوم بالدور الرئيسي في هذا التطور ، وأن وظيفتنا نحن معاشرَ الفنانين والشعراء هي أن نثقف العالم".

ويقول الشاعر والناقد المعروف ت.س. إليوت (16) عن مهمة الشعر وعلاقته بالمجتمع:"أظن أن أول مهمة من مهمات الشعر هي على وجه اليقين: إثارة المتعة ، ولكن للشعر دائماً هدفاً أبعد من الهدف الخاص أو المعين، وهو أن الشعر يحاول دائماً إيصال تجربة جديدة ما، أو إلقاء ضوء جديد على شيء مألوف، أو التعبير عن شيء بيدنا ولم نستطع أن نصفه في كلمات ، مما من شأنه أن يغني وعينا ، ويرهف حساسياتنا وليس بشعر على الإطلاق ما لا يثير في الإنسان هذين الأمرين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت